يقترب العراق من استحقاقٍ انتخابي جديد وسط تصاعد المؤشرات على انقسام النخبة السياسية حول التوقيت والمخاوف من تداعيات العقوبات الأمريكية الأخيرة على شرعية النتائج.
وبينما تحدّثت صحيفة عكاظ السعودية عن وجود تيار داخل الإطار التنسيقي يضغط لتأجيل الانتخابات، ردّ قياديون في الإطار بنفيٍ قاطع، معتبرين أن تلك التقارير "تفتقر إلى الدقة" وأن الهدف منها هو "تشويه الموقف الموحد" لقوى الإطار التي تصرّ على إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري.
هذا التباين بين الرواية الخارجية والموقف الداخلي يعكس حدة التوتر في المشهد العراقي عشية الانتخابات، حيث تتقاطع الهواجس الأمنية، والضغوط السياسية، مع واقع العقوبات الأمريكية التي أربكت توازن القوى داخل التحالفات الشيعية نفسها.
ويضيف الحياني، ضمن سياق الرد، أن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع هو الطريق الأسلم لترسيخ الديمقراطية واستقرار النظام السياسي في البلاد، ماً إلى أن “الحديث عن تأجيلٍ محتمل أو وجود خلاف داخلي مجرد محاولة للتشويش وبث أجواء عدم الثقة بين المواطنين”.
وبهذا، يكون موقف الإطار أقرب إلى تثبيت مبدأ “الاستمرار الانتخابي” كأداة شرعية للحكم، خصوصاً بعد أن باتت الأصوات المطالبة بتأجيل الانتخابات تُقدَّم في الخطاب الإعلامي الخارجي كمحاولة لتجنب أزمة اعتراف دولي بالنتائج.
هذه الرواية، رغم انتشارها، لم تحظَ بتأكيدٍ من أي جهة داخلية، بل قوبلت برفضٍ من قيادات متعددة اعتبرتها “قراءة مبالغ فيها للمشهد”.
ويرى مختصون في الشأن السياسي أن ما سمّاه التقرير “انقساماً” لا يتعدّى تبايناتٍ تكتيكية في تقدير المخاطر، وليس خلافاً على المبدأ، إذ تتفق القوى الشيعية الكبرى على أن تأجيل الانتخابات يحمل كلفة سياسية أكبر من إجرائها، حتى في ظل الضغوط الأمريكية.
منذ إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات جديدة طالت شخصيات وشركات عراقية، عاد ملف التأثير الأمريكي على الانتخابات إلى الواجهة.
تلك العقوبات، بحسب تحليلات سياسية عراقية، لم تغيّر موازين القوى داخل الإطار التنسيقي بقدر ما زادت الحساسية تجاه الخطاب الخارجي، خصوصاً بعد ربط بعض التقارير بين تلك العقوبات واحتمال رفض المجتمع الدولي الاعتراف بنتائج الانتخابات إذا ت كيانات معاقبة.
وبينما تلتزم الحكومة الصمت حيال أسماء محددة، تتعامل الكتل السياسية مع الملف بحذر، إذ تدرك أن أي موقف متشنج قد يُفهم كتصعيدٍ ضد واشنطن، ما قد يؤثر على الدعم الدولي لمخرجات العملية الانتخابية.
تزامناً مع الجدل حول الموعد، تصاعدت مؤشرات العنف السياسي، بدءاً من اغتيال المرشح صفاء المشهداني في الطارمية، مروراً بمحاولة اغتيال مرشحين آخرين في كربلاء وبغداد، ووصولاً إلى حرق مكاتب انتخابية في نينوى.
هذه الأحداث، وفق مراقبين، لا ترتبط فقط بتنافس المرشحين، بل تعكس أزمة ثقة عميقة في البيئة الانتخابية، قد تُستغل لتبرير التأجيل أو التشكيك في نزاهة النتائج لاحقاً.
في المقابل، يسعى الإطار التنسيقي إلى تقديم صورة مغايرة، تُبرز التزامه بتهيئة الأجواء الانتخابية، باعتبار أن الشرعية الانتخابية هي ما يمنحه الاستمرار السياسي بعد التحديات الأمنية والاقتصادية الأخيرة.
الرد الحازم من الإطار التنسيقي على تقرير عكاظ يعكس حرصه على ضبط السرد السياسي في مرحلة دقيقة، حيث يمكن لأي إشاعة أو قراءة خارجية أن تُحدث ارتباكاً في الداخل.
لكن ما كشفه التقرير السعودي، سواء استند إلى معلومات دقيقة أم لا، ي إلى وجود هشاشة داخلية في الخطاب الانتخابي العراقي، فالتناقض بين الموقف المعلن والمخاوف الواقعية من العقوبات والضغوط الأمنية يبقى قائماً.
وفي العمق، فإن الإشكالية ليست في نية التأجيل بحد ذاتها، بل في البيئة السياسية التي تجعل هذا الخيار مطروحاً أصلاً، وهي بيئة لم تستطع حتى الآن الفصل بين الصراع الحزبي والمصلحة العامة.
وعليه، فإن تمسّك الإطار بمبدأ "إجراء الانتخابات في موعدها" هو في آنٍ واحد موقف سياسي ورسالة خارجية موجهة إلى واشنطن والعواصم الغربية لتأكيد التزام بغداد بالمسار الديمقراطي.
غير أن استمرار الاغتيالات والملاحقات القضائية ضد المرشحين سيبقي هذا الالتزام على المحك، ما لم تُقدّم السلطات ضمانات حقيقية لنزاهة العملية، بحسب مراقبين.


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.