أخبار وتقارير

ميزان الشراكات الدولية

ميزان الشراكات الدولية

شارك المقال

يشكل ملف الدعم الدولي للعراق منذ عام 2003 واحدا من أكثر الملفات تداخلا وتأثيرا في مسار الدولة، لأنه لم يتجسد في صورة واحدة ثابتة يمكن حصرها في وجود قوات أجنبية أو برامج إعمار عابرة، بل تحوّل عبر أكثر من عقدين إلى سلسلة متصلة من المراحل التي تغيّر فيها شكل الحضور الخارجي وأدواته وأجنداته، من الاحتلال وإدارة المرحلة الانتقالية، إلى الحرب على الإرهاب، ثم بناء القدرات الأمنية والمؤسساتية، وصولا إلى الشراكات التنموية والاقتصادية الراهنة، وهي مسارات يؤكد الخبير في الشأن الأمني والإستراتيجي اللواء جواد الدهلكي أنها تكشف أن العراق لم يكن في يوم من الأيام خارج دائرة الاهتمام الدولي، وأن طبيعة هذا الدعم وحسن توظيفه هما العامل الحاسم في تحويله من عبء إلى رافعة، داعيا إلى الحفاظ على وتيرة التعاون مع الشركاء الدوليين باعتبار ذلك ضرورة إستراتيجية لاستقرار البلاد، لا خيارا تكتيكيا يمكن التعامل معه بمنطق اللحظة.

مع اكتمال الانسحاب القتالي للقوات الأميركية نهاية عام 2011، بدأ شكل الدعم الدولي يتحول من وجود عسكري مباشر إلى تعاون محدود في مجالات التدريب والاستشارة والتمويل، في ظل مشهد سياسي منقسم ومؤسسات أمنية لم تكتمل جاهزيتها، الأمر الذي فتح الباب خلال سنوات قليلة لصعود تنظيم "داعش" وتمدد سيطرته على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق، فوجد المجتمع الدولي نفسه يعود بقوة إلى الساحة

ومع إعلان "النصر العسكري" على "داعش" وتحرير المدن التي كان يسيطر عليها التنظيم، بدأ الدعم الدولي يتجه تدريجيا من نمط العمليات القتالية إلى نمط بناء القدرات، حيث أعيد تعريف دور التحالف الدولي بعناوين التدريب والتجهيز وتطوير المنظومات اللوجستية والاستخبارية، وبرزت في هذا السياق بعثة حلف شمال الأطلسي في العراق كإطار جديد للتعاون غير القتالي يركز على دعم مؤسسات وزارتي الدفاع والداخلية والتعليم العسكري المهني والملفات الفنية الحديثة مثل الأمن السيبراني والحوكمة داخل المؤسسة الأمنية، وهي مساحات يرى اللواء جواد الدهلكي أن العراق ما يزال بحاجة فيها إلى استمرار الدعم في مجالات التدريب والتسليح وتبادل المعلومات وتطوير القدرات التقنية واللوجستية للأجهزة الأمنية، مؤكدا أن بناء جيل جديد من الضباط والكوادر المهنية يتطلب انفتاحا منظما على خبرات الدول التي راكمت تجارب طويلة في مواجهة الإرهاب وإدارة الجيوش والمؤسسات الأمنية في بيئات معقدة.

وفي موازاة التحول في طبيعة الدعم الأمني، انتقل العراق تدريجيا من مرحلة "إعادة الإعمار" بالمعنى التقليدي الذي يقوم على ضخ منح مباشرة ومشاريع طوارئ متفرقة، إلى مرحلة "التنمية" التي تعتمد على قروض ميسرة ومشاريع بنية تحتية كبرى وشراكات استثمارية مشروطة بإصلاحات إدارية ومالية، حيث باتت مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد تربط برامجها في العراق بإجراءات تخص إدارة المال العام والشفافية وإعادة هيكلة القطاعات، فيما أخذت مشاريع تحديث ات السكك والطرق والربط التجاري والطاقوي مع الجوار مساحة أكبر من الاهتمام الدولي، وهي سياقات يربطها الدهلكي بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب ترسيخ الاستقرار الأمني بوصفه أساسا لانطلاق عجلة التنمية الاقتصادية وتحسين الوضع المعيشي للمواطنين، محذرا من أن أي تراجع في وتيرة هذا الدعم، سواء على مستوى الأمن أو الاقتصاد، قد ينعكس سلبا على مجمل المشهد، ليس داخل العراق فحسب بل على أمن المنطقة بأكملها نظرا إلى الدور المحوري الذي يلعبه في محيطه الإقليمي.

على المستوى الإقليمي والدولي، دخل ملف الدعم للعراق خلال السنوات الأخيرة في إطار قراءة أوسع لدوره في معادلات الأمن الجماعي، إذ لم يعد يُنظر إليه فقط بوصفه بلدا متلقيا للمساعدات أو ساحة صراع مع الإرهاب، بل كشريك محتمل في ضبط التوازنات ومنع انزلاق المنطقة إلى موجات جديدة من الفوضى، وهو ما يلتقي مع رؤية اللواء جواد الدهلكي حين يدعو المجتمع الدولي إلى أن ينظر إلى العراق كشريك أساسي في جهود الحفاظ على الأمن الإقليمي والدولي، مؤكدا أهمية استمرار الحوارات مع الدول الداعمة وتعزيز الاتفاقات الثنائية ومتعددة الأطراف لضمان استمرارية الدعم خلال السنوات المقبلة، مع الإشارة إلى أن الحفاظ على الاستقرار الأمني، إذا ما ترافق مع خطوات جدية لترسيخ مؤسسات الدولة وتعزيز سيادتها، من شأنه أن يخلق بيئة ملائمة للاستثمار ويحول الدعم الخارجي من أداة إطفاء حرائق إلى رافعة حقيقية لإعادة بناء الاقتصاد.

وعند محاولة تلخيص مسار الدعم الدولي للعراق منذ عام 2003، يتضح أن البلد تحرك عبر ثلاث حلقات مترابطة؛ الأولى تمثلت في إدارة فوقية ارتبطت بالاحتلال وبرامج إعادة إعمار مضطربة لم تنجح في بناء مؤسسات قوية قادرة على الصمود وحدها، والثانية جاءت مع صدمة "داعش" وما استدعى من عودة مكثفة للشراكة العسكرية عبر التحالف الدولي وفتح صفحة جديدة مع التدريب والتسليح والدعم الاستخباري، والثالثة هي المرحلة الراهنة التي تبدو أقل ضجيجا وأكثر مؤسسية، وترتكز على بناء القدرات الأمنية وتثبيت الشراكات الاقتصادية والإنمائية والتعامل مع العراق بوصفه طرفا في معادلة استقرار أوسع، وهي المراحل ذاتها التي يختصر اللواء الدهلكي خلاصتها عندما يشدد على أن العراق، رغم تقدمه الملحوظ في ملف مكافحة الإرهاب واستعادة قدر كبير من الأمن، ما يزال بحاجة إلى استمرار الدعم الدولي بمساراته الفنية والتقنية والاقتصادية حتى يكتمل مسار ترسيخ مؤسسات الدولة وتعزيز سيادتها على الأرض، بالإسناد الخارجي من جهة وبالإرادة الوطنية التي أثبتت، كما يقول، قدرتها على تجاوز أصعب التحديات عندما توفرت لها الأدوات والشراكات المناسبة من جهة أخرى، لتبقى الخلاصة أن السؤال لم يعد هو بقاء الدعم أو انسحابه، بل كيف يمكن تحويل هذا المسار الطويل من الانخراط الدولي إلى شراكة متوازنة تعزز الاستقرار والسيادة، بدلا من إعادة إنتاج الاعتمادية على الخارج عند كل أزمة جديدة.

وفي قلب هذا المسار المتدرج يبرز سؤال لا يمكن الهروب منه: إلى متى يستمر هذا النمط من الدعم الدولي للعراق، وإلى أي حد يمكن أن تبقى البلاد معتمدة على الشركاء الخارجيين في إدارة أمنها واقتصادها، إذ لا يوجد تاريخ محدد ينتهي عنده هذا المسار بقرار مفاجئ من عاصمة كبرى أو حكومة محلية، بقدر ما توجد شروط ومسارات تجعل الدعم ينكمش تدريجيا أو يتغير شكله من وجود أمني مباشر إلى تعاون فني وتنموي أقل صخبا، فاستمرار الحاجة إلى التدريب والتسليح وتبادل المعلومات يعني أن العراق ما زال يتحرك في دائرة الاعتماد النسبي على الخارج، بينما يفتح تراكم الخبرة وتماسك المؤسسات الأمنية والاقتصادية الباب أمام انتقال تدريجي نحو شراكة أكثر توازنا، ليبقى جوهر المعادلة في النهاية مرتبطا بقدرة الدولة على ترتيب بيتها الداخلي وتحويل الدعم من شرط للبقاء إلى أداة لتعزيز السيادة لا العكس.

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.