أخبار وتقارير

مستويات تاريخية

مستويات تاريخية

شارك المقال

تشهد أسواق الذهب في العراق قفزات متتالية في الأسعار، تجاوز معها سعر المثقال في بعض المحال حاجز المليون دينار، وسط اتساع الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، وغياب واضح لتسعيرة ملزمة أو رقابة فعّالة على محال الصاغة، بحسب شكاوى مواطنين وتقييمات مختصين في الشأن الاقتصادي.

ومع كل ارتفاع جديد، تتصاعد الأسئلة الشعبية: من يحاسب أصحاب محال الذهب؟ ولماذا يُسعَّر المثقال على أساس أعلى سعر للدولار، فيما تبقى إجراءات الدولة خجولة أو غير ملموسة في ضبط هذا الملف الحساس الذي يمسّ جيوب المواطنين مباشرة؟

الخبير في الشؤون الاقتصادية ناصر التميمي، حذر من التداعيات السلبية لاستمرار ارتفاع أسعار الذهب في الأسواق المحلية، مؤكداً أن هذا الارتفاع المتواصل لا يقتصر تأثيره على قطاع الصاغة والمستثمرين فحسب، بل يمتد ليطال الوضع المعيشي للمواطنين والاستقرار الاقتصادي العام.

وبيّن أن "استمرار هذا الارتفاع ينعكس بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، حيث تحول الذهب من سلعة للادخار والزينة إلى عبء مالي يصعب على شريحة واسعة من المجتمع اقتناؤه، لا سيما في المناسبات الاجتماعية، ما يؤثر سلباً على حركة الأسواق المحلية وقطاع المشغولات الذهبية".

وبهذا المشهد، تتحرك أسعار الذهب داخل ثلاث دوائر متشابكة:

-سعر الأونصة عالمياً الذي يرتفع مع الأزمات والحروب.

-سعر الدولار محلياً، حيث الفارق بين الرسمي والموازي.

-السياسات والضرائب والرسوم الداخلية التي تزيد الكلفة النهائية على المستهلك.

-اعتماد سعر أونصة مرتفع، غالباً بحسب آخر ذروة في البورصات العالمية.

-احتساب الذهب على أساس أعلى سعر متداول للدولار في السوق الموازية، لا على أساس السعر الرسمي.

-إضافة هامش ربح وأجور صياغة وضرائب ورسوم جميعها عند الحد الأعلى.

-الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية.

-غياب لوحات تسعير يومية واضحة، وعدم إصدار فواتير نظامية تبين الوزن والعيار والسعر وأجور الصياغة بشكل مفصل.

اقتصادياً واجتماعياً، يوضح التميمي أن "الركود بدأ يخيم على محال الصاغة، مع تراجع واضح في حجم المبيعات مقابل ارتفاع في عمليات بيع الذهب المستعمل أو الادخار طويل الأمد، ويجب الحذر من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى خسائر متراكمة وإغلاق بعض المحال الصغيرة وتسريح العمالة في هذا القطاع الحيوي".

-الزواج والمهور: ارتفاع الذهب يضغط على الشباب والعائلات، ويدفع بعضهم إلى تقليص مهر الذهب أو تأجيل الزواج بالكامل، ما يخلق توترات اجتماعية إضافية.

-مدخرات الأسر: كثير من العائلات التي اعتادت الادخار بالذهب، بدأت تبيع جزءاً من مقتنياتها لتغطية النفقات، مع شعور متزايد بأن أي ارتفاع جديد سيجعل إعادة الشراء شبه مستحيلة.

-الطبقة الوسطى: تتحول ملكية الذهب تدريجياً إلى شريحة أضيق من ذوي الدخل الأعلى، ما يعمق الإحساس بالفجوة الطبقية بين من يستطيع شراء المثقال فوق المليون، ومن لا يملك سوى مراقبة الأسعار خلف واجهات العرض.

كل ذلك يجعل ارتفاع الذهب مؤشراً ليس فقط على حركة سوق، بل على تآكل قدرة المجتمع على استخدام إحدى أدوات الادخار التقليدية التي كانت تُعتبر ملاذاً آمناً في الأزمات.

في موازاة ذلك، ي خبراء إلى أن الضرائب والرسوم المفروضة على استيراد السبائك والمشغولات، ورسوم الفحص والسيطرة النوعية، والغرامات على الاستيراد غير الأصولي، تحوّلت عملياً إلى كلفة إضافية على المواطن.

فالتاجر لا يقتطع هذه الأعباء من هامش ربحه، بل يقوم بـ:

-تبرير أي زيادة بسعر الدولار أو تكاليف النقل والفحص.

-استخدام ضعف المنظومة الرقابية لتمرير أسعار أعلى دون خشية من تدقيق أو محاسبة حقيقية.

بهذا الشكل، تصبح الضرائب المفترض أن تعزّز موارد الدولة، عنصراً يضعف ثقة المواطن بالسوق، لأنّه لا يرى في المقابل جهدًا واضحاً لضبط الأسعار أو حماية المستهلك من الاستغلال.

ومع تشديد الإجراءات على بيع الدولار عبر المنصة الرسمية، وتقليص التحويلات الخارجية، برز الذهب، بحسب خبراء ماليين، كـممر جانبي لتحريك العملة الصعبة بعيداً عن أعين الرقابة.

وي هؤلاء إلى أن بعض الأنماط التي ظهرت في السنوات الأخيرة يمكن تلخيصها في الآتي:

-تحويل كميات كبيرة من الدنانير إلى ذهب داخل العراق، ثم تهريب السبائك أو المشغولات إلى دول الجوار وبيعها هناك بالدولار أو بعملات صعبة أخرى، ليُعاد تدوير هذه الأموال خارج القنوات الرسمية.

-استغلال فارق التسعير بين الداخل والخارج، عبر شراء الذهب وفق تسعير محلي مرتفع مرتبط بأعلى سعر للسوق الموازية، ثم بيعه في أسواق إقليمية أكثر استقراراً، ما يحقق أرباحاً مزدوجة من فرق السعر وسعر الصرف.

-استخدام الذهب كوسيلة لـ"تسييل" الأموال خارج النظام المصرفي، تفادياً لرقابة التحويلات أو متطلبات الامتثال المصرفي، من خلال نقل سبائك ذات قيمة عالية يمكن تمريرها بطرق متعددة.

خطورة هذه المسارات، بحسب المختصين، تكمن في أن الذهب في العراق يخضع لرقابة أضعف بكثير من الرقابة على الدولار؛ فلا توجد قاعدة بيانات دقيقة ويومية توضح حجم ما يدخل ويخرج، ولا منظومة تتبع إلكترونية تربط المنافذ الحدودية والكمارك والضرائب بالأسواق الداخلية، ما يجعل الذهب أداة مفضّلة لمن يريد تحريك العملة الصعبة بعيداً عن المسار الرسمي.

ومع شح الدولار في القنوات الرسمية وارتفاع الطلب في السوق الموازية، يصبح اللجوء إلى الذهب خياراً جذاباً للتجار والمضاربين، لأنه لا يثير الأسئلة نفسها التي يثيرها طلب الدولار، ولا يخضع لمستوى التدقيق نفسه في مصادر الأموال أو وجهة استخدامها، الأمر الذي يضيف بعداً جديداً لفوضى الأسعار، ويحوّل جزءاً من سوق الذهب إلى واجهة لأنشطة مالية غير منضبطة تؤثر في النهاية على الاستقرار النقدي.

يرى التميمي أن "ارتفاع أسعار الذهب يشكل مؤشراً مقلقاً على ضعف الثقة بالعملات المحلية، ولهذا على الجهات المعنية اتخاذ إجراءات اقتصادية عاجلة للحد من المضاربات، وتعزيز الاستقرار النقدي، ومراقبة الأسواق لمنع التلاعب بالأسعار، كما يجب رفع مستوى الوعي الاستثماري لدى المواطنين، والحذر من الانجرار وراء الشائعات أو القرارات العاطفية في شراء الذهب عند الذروة السعرية".

وبالاستناد إلى حديثه وآراء مختصين آخرين، يمكن رسم ملامح حزمة إجراءات ضرورية، من بينها:

-إصدار سعر استرشادي يومي للمثقال بحسب العيار، مرتبط بسعر الأونصة وسعر الصرف الرسمي.

-إلزام محال الصاغة بعرض هذا السعر على شاشات أو لوحات إلكترونية واضحة.

-تنفيذ حملات تفتيش مشتركة بين الهيئات الضريبية، وجهاز الأمن الاقتصادي، وجهاز التقييس والسيطرة النوعية.

-إلزام المحال بإصدار فواتير نظامية تظهر الوزن والعيار والسعر وأجور الصياغة بشكل منفصل، مع فرض غرامات حقيقية على المخالفين.

-إعادة تقييم الضرائب المفروضة على استيراد الذهب، بما يحقق توازناً بين حاجة الدولة للإيرادات وعدم خنق المستهلك.

-معالجة كلف الفحص والنقل والسيطرة النوعية بما يمنع استخدامها ذريعة دائمة لرفع الأسعار.

-إطلاق برامج للتوعية بمخاطر الشراء عند قمم الأسعار، والتمييز بين الادخار الطويل الأمد والمضاربة القصيرة.

في المحصلة، لا يتعلق الأمر بسعر مثقال تجاوز المليون دينار فقط، بل بصورة أوسع عن مستوى حضور الدولة في سوق حسّاسة تمسّ مدخرات الناس واستقرارهم المعيشي.

فكلما اتسع الفارق بين السعر الرسمي والموازي، وكلما ارتفعت أسعار الذهب بلا سقف واضح أو رقابة ملموسة، ترسّخ الانطباع الشعبي بأن السوق تُدار بالمضاربة لا بالقانون، وأن المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة تربح فيها الضرائب والمضاربون، بينما يخسر الادخار والاستقرار.

ضبط سوق الذهب لا يعني إلغاء حرية السوق، بل وضع قواعد عادلة وشفافة للجميع: للدولة والتاجر والمستهلك.
وإذا لم تُترجم هذه القواعد إلى إجراءات عملية، فسيبقى سعر المثقال، مع كل قفزة جديدة، سؤالاً معلّقاً: أين تقف الدولة بين واجهات العرض وحسابات الأرباح؟

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.