أخبار وتقارير

ما هي كلفة التمرد؟

ما هي كلفة التمرد؟

شارك المقال

-اختناق مالي خلال أسابيع: لأنّ كل شريان في الاقتصاد تقريباً يمر عبر الدولار الخارج من نيويورك، وأي خفض كبير أو قطع في الإمداد سيشلّ قدرة البنك المركزي على تمويل السوق.

-تفاقم ما نعيشه حالياً إلى مستوى أزمة شاملة: اليوم فقط مع تشدد محدود في المعروض وتقلبات بسعر الصرف، الأسواق مرتبكة والأسعار تصعد.
فكيف لو صار الخفض أكبر أو صار القطع قراراً سياسياً معلناً؟

-ضغط مباشر على البنك المركزي والحكومة: سيجد البنك المركزي نفسه أمام احتياطيات شبه مجمّدة عملياً، غير قادر على ضخ كميات كافية للحفاظ على السعر الرسمي أو تغطية الاستيراد، وستُجبَر الحكومة على المفاضلة بين:

ما يعني تآكل سريع للقوة الشرائية للرواتب، وارتفاع كبير في أسعار السلع الأساسية، مع توسّع الاكتناز بالدولار والذهب، وربما عودة أنماط مقايضة في بعض القطاعات.

-شلل واسع في القطاع الخاص والتجارة الخارجية: توقّف فتح الاعتمادات والتحويلات، وتأخّر الشحنات، وخروج شركات ضعيفة من السوق لصالح قلة تملك قنوات خاصة للحصول على العملة الصعبة.

-استحالة الانتقال السريع إلى عملات بديلة: حتى لو فكّر العراق باليوان أو الروبل أو تسويات إقليمية بعملات أخرى، فهذا مشروع يحتاج سنوات لتعديل العقود وسلاسل التوريد، ولا يمكن إنجازه كحل إسعافي تحت الضغط خلال أشهر.

-انفجار اجتماعي وسياسي محتمل: انهيار القدرة الشرائية، وارتفاع البطالة، ونقص السلع، يمكن أن يتحول إلى موجة احتجاجات واضطرابات، تُستغل من قوى داخلية وخارجية لإعادة ترتيب النفوذ داخل البلد.

-تحويل العراق إلى ساحة تصفية حسابات: قطع أو خنق الدولار سيُستخدم كأداة في الصراع الأمريكي – الإيراني، وربما في صراعات أوسع، فيتحول العراق من لاعب يحاول موازنة علاقاته إلى ساحة مفتوحة لتجاذبات الآخرين.

-الأزمة الحالية ليست سوى "بروفة" صغيرة: ما يجري اليوم من ضغوط مع خفض جزئي وتشدد في الضوابط، يكشف هشاشة البنية المالية والنقدية، ويُظهر كيف يمكن أن تبدو صورة "الحصار المالي الكامل" إذا تحوّل التهديد إلى قرار استراتيجي.

والسؤال هو: لماذا يرهن العراق إيرادات نفطه في أمريكا إلى الآن؟

الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي يقدم قراءة تنتقل من الخلفيات القانونية إلى الواقع المالي اليوم، ثم تطرح مساراً عملياً للخروج من حالة الارتهان، عبر معالجة ملف الدعاوى والتعويضات المتراكمة على العراق منذ التسعينيات، بدلاً من الاكتفاء بالشكوى من "هيمنة" الفدرالي الأمريكي.

بعد غزو العراق عام 2003، أنشأت سلطة الائتلاف المؤقتة "صندوق تنمية العراق" ليكون الوعاء الذي تُودع فيه عائدات صادرات النفط والغاز، مع إلزام دول العالم بإيداع قيم المبيعات فيه، استناداً إلى قرار مجلس الأمن 1483 الذي نصّ على تحويل إيرادات النفط إلى هذا الصندوق واستخدامها لإعادة الإعمار، وحمايتها من إجراءات الحجز والتقاضي في الخارج.

وفي عام 2010 صدر قرار مجلس الأمن 1956 الذي مهّد لإنهاء نظام الصندوق وتحويل إدارة الأموال إلى الحكومة

عملياً، تطوّر "صندوق تنمية العراق" إلى حساب باسم البنك المركزي العراقي لدى البنك الفدرالي في نيويورك، تُحوّل إليه جميع إيرادات النفط الخام تقريباً، ثم يعيد البنك المركزي تدوير هذه العوائد نحو الداخل عبر بيع الدولار للمصارف، وتمويل الاستيراد، ودعم سعر الصرف.

من الناحية التقنية، ليس وجود عائدات النفط في الفدرالي الأمريكي أمراً استثنائياً؛ العديد من الدول النفطية تفضّل إيداع احتياطياتها هناك، لأن النفط يُسعَّر ويُباع بالدولار، ولأن الاحتفاظ بأرصدة بالدولار في نيويورك يمنح هذه الدول وصولاً سريعاً وآمناً إلى النظام المالي العالمي.
لكن حالة العراق مختلفة لسببين رئيسيين:

-الاعتماد المطلق على النفط والدولار: أكثر من 90٪ من الإيرادات العامة تأتي من بيع النفط، ما يجعل حساب الفدرالي هو "عنق الزجاجة" لكل ما يدخل إلى الموازنة

-الرقابة الاستثنائية على حركة الدولار: منذ سنوات، وخصوصاً بعد 2022، شدّد الفدرالي الأمريكي ووزارة الخزانة الرقابة على التحويلات الخارجة من حساب العراق، وربطوا منح الدولار بالتزام المصارف

النتيجة، كما يلخّصها المرسومي، أنّ المشكلة ليست في "مكان" إيداع الأموال، بل في نوع القيود المفروضة على حرية العراق في استخدامها مقارنة بالدول الأخرى؛ فدول نفطية عديدة تودع أموالها في الفدرالي لكنها لا تواجه المستوى نفسه من التدقيق والتقييد على كل تحويل مصرفي.

جزء مهم من تعقيد المشهد يرتبط بتاريخ طويل من الدعاوى المرفوعة على العراق بسبب غزو الكويت عام 1990.
فقد تأسست "لجنة الأمم المتحدة للتعويضات" لتلقي مطالبات دول وشركات وأفراد متضررين، وصرف التعويضات من إيرادات النفط العراقي لسنوات طويلة.
ومع أنّ ملف التعويضات للكويت أُعلن إغلاقه في 2022 بعد تسديد كامل المبلغ، إلا أنّ هناك قضايا وتعويضات أخرى رفعتها شركات وأطراف خاصة في محاكم دولية ووطنية مختلفة، بعضها انتهى بأحكام غيابية ضخمة بسبب غياب تمثيل قانوني عراقي فعّال.

هذه الأحكام تجعل الأرصدة

من هنا، ي المرسومي إلى أنّ حماية الأموال عبر الولايات المتحدة تمنح واشنطن نفوذاً كبيراً على بغداد؛ لأن من يملك "زر" الحماية، يملك بالتبعية قدرة تهديد بغداد بخسارة جزء من أرصدتها إذا خرجت عن المسار المطلوب أمريكياً.

السيطرة الأمريكية لا تظهر فقط على مستوى الإجراءات الفنية للمصارف، بل تحضر أيضاً كأداة ضغط سياسية.
تقارير عديدة تحدّثت عن أنّ مسؤولين أمريكيين لوّحوا، في خضمّ النقاشات حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في العراق، بتقييد وصول بغداد إلى أموالها في الفدرالي، وهو ما يعني عملياً تعطيل قدرة الحكومة على دفع الرواتب وتمويل الاستيراد في غضون أسابيع إذا تمّ تنفيذه.

هذا النفوذ تعزّز أكثر مع تشديد الخناق على منافذ تهريب الدولار إلى إيران والفصائل المقرّبة منها، سواء عبر مزاد العملة الذي تعرّض لقيود قاسية ولاحقاً جرى تفكيكه تدريجياً، أو عبر ملاحقة قنوات جديدة مثل بطاقات الدفع الدولية التي استُخدمت للتحويل والتهريب، قبل أن يُشدّد الخناق عليها أيضاً.

بالنسبة للعراق، هذا يعني أنّ الملف المالي لم يعد محكوماً فقط بضرورات الاستقرار الاقتصادي، بل أيضاً بتوازنات الصراع الأمريكي – الإيراني؛ فكلما احتدمت المواجهة بين الطرفين، ازداد الضغط على الدولار داخل العراق، وازداد حضور الفدرالي الأمريكي بوصفه "قاطع الأوكسجين" عن الاقتصاد العراقي إذا لزم الأمر.

الترتيب القائم ينتج مجموعة آثار عميقة على الحياة الاقتصادية اليومية في العراق، من أبرزها:

-سوق موازية وسعران للدولار: تقليص كميات الدولار المسموح بضخّها للمصارف، وتشديد شروط التحويل، يدفع جزءاً كبيراً من التجارة إلى السوق غير الرسمية، حيث يُباع الدولار بسعر أعلى من السعر الرسمي، ما يرفع كلفة الاستيراد والسلع والمواد الغذائية.

-خنق القطاع الخاص: الشركات المستوردة التي لا تستطيع استيفاء شروط المنصّات الرقابية الأمريكية –

-تسييس الاقتصاد: أي خلاف سياسي مع واشنطن، أو تشدد في ملف العلاقة مع إيران، ينعكس مباشرة على إيقاع تدفق الدولار إلى العراق، بما يحوّل السياسة المالية إلى ساحة صراع جيوسياسي، لا مجرد أداة إدارة اقتصادية.

-تعميق التبعية للنفط: ما دامت كل خطوط التمويل تمر عبر الفدرالي وعائدات النفط، فإنّ أي هبوط في الأسعار العالمية أو اضطراب في السوق النفطية يعيد فتح نقاش العجز، فيما تبقى الإيرادات غير النفطية ضعيفة ومُهدرة بفعل الفساد والتهرّب الضريبي والجمركي.

طرح المرسومي مقاربة مختلفة لا تقتصر على التذمّر من تبعية العراق للفدرالي الأمريكي، بل تذهب نحو معالجة الجذر القانوني للأزمة.
يمكن تلخيص فكرته في ثلاث خطوات مترابطة:

تدقيق شامل لملف الدعاوى والديون: عبر تكليف شركة محاماة دولية رصينة تُمنح صلاحيات كاملة لإجراء جرد دقيق لكل القضايا المرفوعة على العراق في المحاكم الأجنبية، وحجم المبالغ المحكوم بها، وطبيعة الأحكام ودرجة إلزامها.

السؤال ليس: "هل نخرج من الفدرالي أم نبقى؟"، بل: "كيف نقلّص نفوذ الفدرالي الأمريكي على القرار المالي العراقي، ونحوّل الحماية من أداة وصاية إلى ة أمان مؤقتة؟".
ويمكن رسم ملامح مجموعة خيارات متداخلة:

من الناحية الواقعية، لا يبدو أنّ العراق قادر، في الأمد القصير، على فكّ ارتباط عائداته النفطية بالفدرالي الأمريكي من ضربة واحدة؛ فالبنية المالية العالمية، والاعتماد شبه الكامل على النفط والدولار، وملف الديون والدعاوى، تجعل من هذا الخيار مغامرة عالية الكلفة، خصوصاً إذا أُخذت بنظر الاعتبار الآثار المحتملة لأيّ خطوة أمريكية متشددة، من قبيل تقليص تدفقات الدولار أو التلويح بقطعها بالكامل، بما يحمله ذلك من مخاطر مباشرة على الرواتب، والأسعار، والقدرة على تمويل الاستيراد، واستقرار السوق والشارع معاً.

لكن في الأمد المتوسط، يمكن أن يتحوّل هذا "الارتباط الإجباري" إلى مرحلة انتقالية مقصودة، إذا جرى العمل على ثلاثة مسارات متزامنة: إعادة هيكلة الديون والدعاوى كما يقترح المرسومي، إصلاح المنظومة المصرفية وتقليل تهريب الدولار وتعزيز الامتثال، وبناء مصادر قوة اقتصادية داخلية خارج النفط، بما يخفف تدريجياً من أثر أي هزّة أمريكية في تدفقات العملة الصعبة.

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.