أخبار وتقارير

ما بعد الحرية

ما بعد الحرية

شارك المقال

في بلد أنهكته المعارك لعقود، تتبدل الجبهات لكن تبقى الحرب مستمرة.
فبعد أن واجه العراق الإرهاب في الميدان، يجد نفسه اليوم في مواجهة مختلفة، تدور رحاها على المنصات لا في المدن.
إنها حرب رقمية جديدة، تتقاطع فيها حسابات الأمن مع حدود الحرية، وتتصادم فيها إجراءات “حماية الدولة” مع حق المواطنين في التعبير.

السلطات تتحدث عن “ذراع إلكترونية” لملاحقة ما تصفه بالمنصات السوداء التي تروّج للتطرف والتحريض، لكنّ النتيجة على الأرض تتجاوز التنظيمات المتطرفة إلى أصوات مدنية وإعلامية ناقدة.
ما بدأ كمعركة ضد الإرهاب الإلكتروني، يتسع اليوم ليشمل الصحفيين والمدونين والمؤثرين، في مشهد يعيد الجدل حول العلاقة الملتبسة بين الأمن وحرية الرأي في العراق.

ويضيف إسكندر أن “الأجهزة الأمنية تمتلك أذرعاً فنية متخصصة ونشطة تعمل على محاربة تلك الحسابات ضمن مسارات تقنية وقانونية تهدف إلى إنهاء تأثيرها”، ماً إلى أن “إنهاء الفضاء الإلكتروني الأسود الذي تمثله منصات التنظيمات الإرهابية لا يزال يشكل جزءاً مهماً من معركة مكافحة الإرهاب والتطرف”.

ويؤكد النائب أن “حماية الشباب وكافة الشرائح من الشائعات والأفكار المتطرفة والإعلام المضلل تُعد أولوية وطنية”، لافتاً إلى أن “الجهات الأمنية تمكنت من إغلاق وإبعاد عدد كبير من الحسابات التي تروّج للتنظيمات الإرهابية، ولا سيما تنظيم داعش، ضمن إطار تعزيز الأمن القومي للبلاد”.

هذه التصريحات تعكس إدراكاً رسمياً متنامياً بأن معركة “الذراع الإلكترونية” ليست أقل خطراً من المعارك التي خاضتها القوات

ويضيف الجبوري أن “مئات الصفحات والمنصات الإعلامية، فضلًا عن الحسابات الشخصية لصحفيين ونشطاء، تم إغلاقها خلال الفترة الأخيرة بناء على بلاغات رسمية من الحكومة، تحت ذرائع تتعلق بمخالفة معايير النشر أو التحريض أو نشر الأخبار الكاذبة، وشركة ميتا كشفت في تقريرها الرسمي الصادر ضمن قسم الشفافية أن بعض هذه البلاغات كانت غير دقيقة أو مبنية على أسباب واهية”.

تتزامن هذه التطورات مع ما كشفه مركز التحقق العربي (INSM) من نشاط واسع لـ“جيوش رقمية” تعمل بشكل منظم لتضخيم وسوم محددة‎، وُصفت بأنها حسابات وهمية مرتبطة بجهات سياسية وأمنية تسعى إلى ترويج سرديات معينة.
وبحسب المركز، أكثر من 60 % من التفاعل مع هذه الوسوم كان ناتجاً عن إعادة نشر آلية، ما ي إلى تشغيل ممنهج لات تضخيم رقمي.

وفي المقابل، أفاد ناشطون بأن استخبارات الحشد الشعبي نفذت خلال الأيام الماضية حملة لاختراق أو إغلاق حسابات لا ترتبط بها مباشرة، متهمة أصحابها بـ“الترويج للطائفية أو البعث”.
بعض الحسابات أُغلقت فعلاً، وأخرى ظهرت فيها بيانات غريبة كُتبت من داخلها، في حين نشر أصحابها اعتذارات مفاجئة “للشعب العراقي” قبل اختفائهم من الفضاء الإلكتروني.

ورغم أن الجهات الرسمية لم تصدر بياناً يوضح طبيعة هذه الإجراءات أو الجهة التي تقودها فعلاً، فإن تزامنها مع إعلان لجنة الأمن والدفاع عن “الذراع الإلكترونية” يثير تساؤلات عن الخط الفاصل بين ملاحقة التطرف وحماية السلطة من النقد.

في الاتجاه ذاته، تقود هيئة الإعلام والاتصالات (CMC) منذ مطلع تشرين الأول حملة رسمية بالتعاون مع شركات التكنولوجيا العالمية مثل “ميتا” و“تيك توك” لتقييد المحتوى “الضار بالأمن والسلم الأهلي”، وفق بياناتها الرسمية.
هذه الهيئة سبق أن طالبت في تقارير رسمية شركات التواصل بحجب مئات الحسابات “المخالفة للمعايير العراقية”.

لكن تقرير منظمة ARTICLE 19 الصادر الأسبوع الماضي حذر من أنّ “التعاون غير الشفاف بين الحكومة

وتُظهر وثائق قسم الشفافية في “ميتا” أن العراق تقدم خلال الأشهر الثلاثة الماضية بعشرات البلاغات لحذف أو تقييد منشورات، بعضها يتعلق بـ“إساءة إلى مؤسسات الدولة” أو “نشر معلومات تضر بالمصلحة العامة”، وهي تعابير وصفتها المنظمة بأنها “فضفاضة وتسمح بإساءة الاستخدام”.

تُضاف إلى ذلك تقارير من موقع Maghrebi وFreedom House التي رصدت تراجعاً ملحوظاً في حرية الإنترنت داخل العراق خلال عامي 2024 و 2025، وازدياداً في حالات حجب المواقع أو معاقبة المستخدمين بسبب منشورات ناقدة.
كما وثقت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) حالات إغلاق قنوات وبرامج إعلامية دون تبرير قانوني واضح، مثل قناة “العراق الحدث” التي أُوقفت منتصف العام، وبرنامج “سين جيم” الذي أُغلقت صفحاته مؤقتاً بعد حلقة تناولت ملفات فساد محلية.

الإعلامي أحمد الملا طلال كتب حينها عبر حسابه على منصة “إكس”: “أعلن تضامني مع منصة سين جيم والزميل ثائر جياد وأدعو جميع الزملاء والسلطات المختصة لمواجهة هذه الهجمة المؤقتة والعمل على جعلها مجرد سحابة صيف سيدفعها الريح لنبقى نتنفس حرية التعبير، وإلا سنتحسر على أيام الدكتاتور”.

يظهر من مجمل هذه التطورات أنّ العراق يقف اليوم أمام معادلة معقّدة: حماية الأمن القومي في وجه التطرف الرقمي، مقابل حماية الفضاء العام من عسكرة الكلمة.
فبينما تعتبر الدولة أن إغلاق الحسابات “العدائية” جزء من حربها ضد الإرهاب، يرى ناشطون وصحفيون أن الحرب الرقمية تتسع لتصبح وسيلة لتكميم النقد تحت شعارات الأمن والسيادة.

وفي ظل غياب تشريعات واضحة تحدد ضوابط الرقابة الرقمية أو معايير الحجب، تبقى المادة (38) من الدستور العراقي – التي تكفل حرية الصحافة والرأي – خاضعة لتأويلات متباينة.
أما المادة (19) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، التي صادق عليها العراق، فتمنح الحق في التعبير “إلا في حالات الضرورة لحماية الأمن القومي أو النظام العام”، وهي الجملة التي تُستخدم اليوم لتبرير الإغلاق المتكرر للمنصات.

المشهد الرقمي العراقي يبدو اليوم ساحة مزدحمة باللاعبين: الدولة، الحشد، المنصات العالمية، النشطاء، والإعلام.
كل طرف يحمل روايته عن “الحماية”، لكنّ النتيجة واحدة: فضاء عام يضيق شيئاً فشيئاً. “الذراع الإلكترونية” التي أُنشئت لحماية البلاد من الفكر المتطرف قد تتحول، من دون ضوابط قانونية شفافة، إلى ذراع رقابية تمتد نحو كل صوت يختلف مع الرواية الرسمية.
وفي بلدٍ يعيد تعريف حدوده السياسية والأمنية باستمرار، تبدو حرية التعبير هي الضحية الأحدث في معركة طويلة لم تنتهِ بعد، بحسب مراقبين.

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.