أخبار وتقارير

ما الذي يُطبخ؟

ما الذي يُطبخ؟

شارك المقال

في بيت بسيط في أطراف بغداد، تتوزّع حياة عائلة كاملة حول صورة معلّقة في غرفة الجلوس؛ شاب في العشرينات يرتدي بزّة فصيل مسلّح ويبتسم ابتسامة نصفها فخر ونصفها قلق، ترك قبل سنوات مقعده في الجامعة أو عمله اليومي ليلتحق بجبهات القتال ضد داعش، ووعد أمّه يومها بأنّ الأمر مؤقت وأنه سيعود سريعاً ليبحث عن وظيفة "رسمية" في الدولة، بوظيفة تضمن تقاعداً ومستقبلاً لا يعتمد على بدل القتال ولا على مزاج قادة الميدان.

هذه الأم لا يعنيها كثيراً الجدل حول "الهيبة" و"الاستحقاقات" و"المسارات التفاوضية"، ما يشغلها أنّ ابنها ما يزال حتى اليوم يتحرك بين معسكر وساتر وطريق ريفي، وأنّ هويته الحقيقية ما زالت معلّقة بين كارت تعريف فصائلي وكارت وظيفي لم يحصل عليه بعد، بينما تسمع في الأخبار أنّ الفصائل تفكر بتسليم سلاحها للدولة والاندماج في مؤسساتها؛ بالنسبة إليها، السؤال ليس عن بنود الاتفاق ولا عن صياغة البيانات، بل عن اللحظة التي يعود فيها هذا الشاب إلى البيت من دون سلاح، بصفة موظف عادي له راتب ثابت وإجازة سنوية وتأمين صحي، وعن الجهة التي تملك فعلاً قرار إنزال البندقية عن كتفه؛ هل هي الدولة التي تفاوض في المنطقة الخضراء، أم قياداته التي تطمئنه بأنّ "المرحلة حسّاسة"، أم موازين قوى خارج الحدود تقرّر متى يُسمح له أن يخلع بزّته العسكرية ويعود ابنًا فقط، لا مقاتلاً دائماً في حرب تمتدّ أكثر مما تحتمل حياة الناس.

في غضون اثنتين وسبعين ساعة فقط، تغيّر مزاج الخطاب الصادر عن عدد من القوى التي تمتلك أجنحة مسلّحة، وانتقلت نبرة الكلام من الدفاع التقليدي عن "شرعية السلاح" إلى تبنٍّ صريح لمبدأ حصره بيد الدولة، وتقديم هذا التحوّل بوصفه جزءاً من نقاش وطني أوسع حول مستقبل العملية السياسية ومعادلة الأمن الداخلي، في لحظة تبدو فيها كل الأطراف مدركة أن ترك هذا الملف معلقاً لم يعد ترفاً سياسياً، بل مخاطرة مباشرة بمستقبل الدولة، وبحياة شباب قضوا أعمارهم في الجبهات ويحلمون الآن بوظيفة مستقرة، وبراتب يضمن لهم أن يعيشوا كأقرانهم، لا كجنود دائمين في حرب لا تنتهي.

هذا الكلام يزيح مركز الثقل من سؤال "هل نسلم السلاح أم لا؟" إلى سؤال "متى وكيف؟"، ويقدّم صورة عن مشهد تفاوضي طويل كان يجري خلف الكواليس بين الحكومة والفصائل، قبل أن يُنقل تدريجياً إلى العلن تحت ضغط تحوّلات داخلية وخارجية متراكمة.
في هذه القراءة، تحاول الفصائل أن تقول إنها لم تكن يوماً في موقع رفض المبدأ، لكنها كانت تتحرك وفق معادلة ترى أن التخلي عن السلاح قبل اكتمال شروط معينة يعني الدخول في مرحلة "عجز استراتيجي" أمام خصوم محتملين في الداخل والخارج، وأن ما يحدث اليوم هو اعتراف علني بما تم الاتفاق عليه في الأساس، لا انقلاب على مواقف سابقة.

ولكي تكتمل ملامح هذه الرواية، ي المصدر إلى أن "السلاح الموجود لدى الفصائل هو لحماية الشعب ومكتسباته، وليس لحماية حزب أو أشخاص"، مؤكداً أن "هذا السلاح لم يُستخدم في أي نزاع داخلي، ولم يُوجَّه يوماً ضد أبناء الشعب العراقي"، وهي جملة لا تكتفي بتبرير وجود السلاح، بل تحاول إعادة تأطير صورته في الوعي العام، من أداة يخشاها المواطن في الشارع، إلى مظلة حماية يُفترض، بحسب الخطاب الفصائلي، أنها وُجِدت للدفاع عن ذلك المواطن.
ومع أن ذاكرة العراقيين تحتفظ بمشاهد اشتباكات وصدامات سياسية وأمنية ارتبطت ببعض التشكيلات، إلا أن الفصائل تفضّل اليوم أن تركز على معركة داعش وعلى خطاب "المقاومة" أكثر من تركيزها على تلك الصفحات التي تُعدها إما استثناءات أو روايات خاضعة للتسييس.

ومع ذلك، يعترف المصدر بأن "نزع السلاح يُعد خياراً وطنياً"، لكنه يضع لهذا الخيار شرطاً واضحاً حين يشدد على أن "تنفيذه يجب أن يتزامن مع معالجة التحديات القائمة، وفي مقدمتها إخراج القوات الأجنبية من العراق وفق ما تم الاتفاق عليه بين بغداد وواشنطن"، قبل أن يختم بالقول إن "الفصائل تدرك حساسية المرحلة وأهمية اتخاذ قرارات تراعي مصلحة الشعب العراقي، إلا أن توقيت نزع السلاح ينبغي أن يكون جزءاً من رؤية شاملة تضمن أمن البلاد واستقرارها".
بهذا المعنى، تبدو الفصائل وكأنها تقول لواشنطن وبغداد والشارع في آن واحد إنها مستعدة نظرياً للانتقال من جبهة السلاح إلى مسار السياسة، لكنها لن تفعل ذلك إلا ضمن صفقة أكبر تُعاد فيها صياغة موقع العراق في معادلة الصراع الإقليمي، وضمن ضمانات تجعل مقاتليها وأسرهم يشعرون أن سنوات القتال لم تذهب هدراً.

على الضفة الأخرى، يبرز خطاب ينطلق من داخل فكرة الدولة نفسها؛ من نصّ الدستور الذي يقول إن استخدام القوة حق حصري للمؤسسات الرسمية، ومن تجربة عقدين اكتشف فيها العراقيون أن تعدد مراكز السلاح يعني عملياً تعدد مراكز القرار، وتعدد الأجندات، وتعدّد القراءات للحظة الحرب والسلم.
في هذا السياق، يؤكد الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية رياض الوحيلي، أن الدعوات التي أطلقها بعض قادة الفصائل في هذا التوقيت لحصر السلاح بيد الدولة تمثل محطة مفصلية وحساسة في مسار بناء الدولة وترسيخ هيبتها، ماً إلى أن توقيت هذه الدعوات لا يمكن فصله عن المتغيرات الداخلية والإقليمية والتحديات الأمنية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.

ثم يوضح الوحيلي أن "نجاح هذه الدعوات لا يرتبط بالتصريحات وحدها، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وخارطة طريق واضحة، وآليات تنفيذ تدريجية تراعي الخصوصية الوطنية والظروف الأمنية، وتضمن في الوقت ذاته عدم حدوث فراغ أمني أو صدامات داخلية، كما هناك أهمية أن يكون هذا الملف جزءاً من حوار وطني شامل، ت فيه جميع الأطراف السياسية والأمنية، تحت مظلة الدستور والقانون"، وبذلك ينقل النقاش من مساحة الشعارات إلى مساحة الهندسة العملية؛ من بيانات دعم ورفض إلى تفاصيل صعبة عن من يُدمج في أي مؤسسة، ومن يُحال إلى التقاعد، وما هو مصير اقتصاد موازٍ بناه بعض الفصائل عبر شركات وعقود ومعابر خلال سنوات ما بعد داعش.

ويتابع أن "الدولة وحدها هي الجهة المخولة دستورياً بحمل السلاح وتنظيم استخدامه، وأن أي مقاربة خارج هذا الإطار قد تعمّق حالة الانقسام وتضعف سلطة المؤسسات الرسمية، ومعالجة هذا الملف تتطلب تعزيز ثقة الشارع بالمؤسسات الأمنية، وتطوير قدراتها المهنية، وضمان استقلالها عن التجاذبات السياسية"، ليرسم خطاً أحمر بين دولة تملك السلاح وتديره وفق قانون واضح، ودولة تتعايش مع سلاحها ومع سلاح غيرها فتفقد تدريجياً قدرتها على أن تكون مرجعاً وحيداً للمواطن.
ويختم الوحيلي قوله إن "حصر السلاح بيد الدولة ليس موجهاً ضد جهة بعينها، بل هو خطوة تصب في مصلحة الجميع، وتمثل أساساً لبناء دولة قوية، مستقرة، وقادرة على حماية مواطنيها وصون سيادتها، ويجب التعامل مع هذا الملف بحكمة ومسؤولية وطنية عالية بعيداً عن التصعيد أو المزايدات الإعلامية"، في إشارة مباشرة إلى أن تحويل هذا الملف إلى ساحة تخوين متبادل سيعني عملياً تعطيل أي أمل بحل حقيقي، وترك الناس مرة أخرى تحت سقف الخوف من عودة الاشتباكات إلى الشارع.

خارج لغة السياسيين والتقنيين، يقف ثقل المرجعية الدينية العليا في النجف التي كرّرت خلال السنوات الأخيرة، في أكثر من بيان ولقاء، ضرورة حصر السلاح في يد الدولة وحدها، ورفض أي سلاح خارج إطار القانون، وربطت ذلك بصون السيادة ومنع التدخلات الخارجية، وببناء مسار إصلاحي طويل يحتاج إلى مؤسسات قوية لا تنازعها تشكيلات موازية في قرار الحرب والسلم.
هذه الدعوة وجدت صداها في شريحة واسعة من العراقيين الذين رأوا في ازدواج القوة واحداً من أهم أسباب الشعور بعدم الاستقرار، حتى في الأوقات التي لا تشهد فيها البلاد حرباً مفتوحة.

على الضفة السياسية – الدينية الأخرى، كرّر زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر خلال العامين الأخيرين، وخصوصاً في تموز 2025، خطاباً واضحاً يطالب فيه بتسليم "السلاح غير المسيطر عليه" إلى الدولة، وحلّ المليشيات، وتقوية الجيش والشرطة، وضمان استقلال العراق وعدم تبعيته، مؤكداً أن "الباطل لن يُدفَع إلا بتسليم السلاح المنفلت إلى يد الدولة، وحلّ المليشيات، وتقوية الجيش والشرطة، وضمان استقلال العراق وعدم تبعيته، والسعي الجاد للإصلاح ومحاسبة الفاسدين".
هذا الخطاب وضع الفصائل في زاوية حرجة؛ إذ لم يعد الضغط عليها يأتي فقط من واشنطن أو العواصم الغربية، بل بات يأتي أيضاً من داخل البيئة الشيعية نفسها، من مرجعية النجف ومن التيار الصدري، ومن جمهور واسع يريد أن يرى دولة واحدة لا دولتين.

القضاء بدوره دخل على الخط، حين بدأ رئيس مجلس القضاء الأعلى يربط علناً بين استقرار النظام وبين إنهاء ظاهرة السلاح خارج الإطار الرسمي، ويشيد بمواقف قادة الفصائل التي تعلن استعدادها للانتقال إلى السياسة ضمن سقف الدولة، ويعدّ ذلك خطوة ضرورية كي تصبح القوانين نافذة على الجميع من دون استثناء، وكي لا تبقى بعض القضايا محصورة في "التفاهمات" بدلاً من أن تُحسم في المحاكم.
هذا التلاقي بين المرجعية والتيار الصدري والقضاء يضع الحكومة أمام فرصة وتحدٍّ في آن واحد؛ فرصة لأن تستند إلى ثلاثة أعمدة ثقيلة في دفع مسار حصر السلاح، وتحدٍّ لأن أي تراجع أو تسوية ناقصة بعد هذا الحجم من التوافق سيُقرأ كعجز عن فرض منطق الدولة.

على الضفة الأخرى من هذا النقاش الداخلي، يخرج صوت من قلب البيئة نفسها ليحذر من أن المشكلة قد لا تنتهي عند حدّ تسليم السلاح، بل قد تبدأ من هناك إذا لم تُغلق الشروط التي أنتجت الفصائل في الأصل؛ حسين الكناني، بوصفه من المقرّبين من أجواء الفصائل وملف السلاح، يختصر هذا القلق بجملة صادمة حين يتحدث عن أن "فصائل جديدة ستولد إذا سلّمت الفصائل الحالية سلاحها للدولة"، في إشارة إلى أن الخطر لا يكمن في أسماء التشكيلات ولا في عناوينها الظاهرة، بل في البيئة التي تعلّمت خلال عقدين كيف تعيد إنتاج القوة كلما شعرت أن الدولة تحاول نقل السلاح من خانة التوازن إلى خانة الاحتكار.
وكالة

هذا التحذير لا يتعامل مع السلاح كقطعة حديد يمكن عدّها في مخازن وزارة الدفاع أو الداخلية، بل كوظيفة ممتدة ما دامت مسارات المال والغطاء السياسي وات النفوذ داخل الإدارة والاقتصاد حاضرة، وما دام تعريف "التهديد" لا يصدر حصراً عن مؤسسات الدولة، بل عن غرف أخرى موازية تقرأ الإقليم والعالم بعين مختلفة، ولهذا يصبح الحديث عن التسليم مجرد فصل أول في اختبار أعقد اسمه "إغلاق شروط إعادة الإنتاج"، لأن التجربة

وبقدر ما يبدو هذا الكلام تخويفاً، فإنه يضع الحكومة أمام سؤال مباشر: هل يكفي أن تستلم الدولة السلاح كي تبدأ مرحلة جديدة، أم أن الخطوة الحقيقية هي القدرة على منع تشكّل موجة ثانية وثالثة من الفصائل تحت عناوين مختلفة، تعمل بواجهات مدنية أو اقتصادية أو حتى انتخابية، وتستخدم لغة قانونية في العلن وسلاحاً مستتراً في الظل؟ هنا يتحول تحذير الكناني إلى مرآة تعكس هشاشة البنية؛ دولة تريد احتكار القوة، وبيئة مسلحة مستعدة لتغيير جلدها إن اضطرت، ما لم تُعالَج جذور العلاقة بين السياسة والسلاح والاقتصاد في آن واحد.

في خلفية هذا كله، يتحرك عامل لا يمكن تجاهله هو الولايات المتحدة بقوانينها وعقوباتها وتعريفاتها للجماعات المقاتلة في العراق.
خلال أيلول 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إدراج عدد من الفصائل

في الوقت نفسه، جاء قانون الدفاع الأميركي لعام 2026 ليضيف طبقة أخرى من الضغط، بعدما ربط جزءاً من تمويل التعاون الأمني مع العراق بشرط اتخاذ بغداد "خطوات ملموسة" للحد من نفوذ الفصائل المقرّبة من إيران، وتعزيز سلطة القائد العام على جميع تشكيلات السلاح، وفرض مساءلة على الجهات التي تستهدف القوات الأميركية أو تستخدم الأراضي

رئيس الوزراء محمد شياع السوداني نفسه أقرّ في أحاديث إعلامية بأن العراق "لا يمكنه أن يطوي ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة بشكل كامل ما دام هناك وجود لقوات التحالف التي ترى بعض الفصائل أنها قوات احتلال"، مؤكداً أن خطة الانسحاب المتدرج للتحالف، التي يُفترض أن تكتمل بحلول أواخر 2026، ستفتح الباب أمام "برنامج واضح لإنهاء أي سلاح خارج مؤسسات الدولة"، وأن الفصائل يمكن أن تُدمج في القوات الرسمية أو تتحول بالكامل إلى قوى سياسية بعد وضع السلاح جانباً.
بهذه الكلمات، يلتقي خطاب رئاسة الحكومة مع خطاب المصدر المقرّب من الفصائل في نقطة حساسة واحدة؛ لا يمكن الحديث عن نهاية كاملة للسلاح قبل نهاية كاملة للوجود الأجنبي، لكنّ الاختلاف يبقى في تفاصيل "المرحلة الانتقالية" التي ستفصل بين اليوم وموعد الانسحاب، وفي من يضع خططها ويراقب تنفيذها.

يبقى السؤال الأثقل الذي يهمّ تلك الأمّ التي تنظر إلى صورة ابنها، وذلك الشاب الذي يريد أن يخلع بزّته العسكرية، وذلك الجندي النظامي الذي يريد أن يعرف إن كان وحده مكلّفاً بحمل عبء الأمن، وتلك العائلة التي تريد أن تعيش في حي لا تمرّ فيه أكثر من راية مسلّحة واحدة؛ هل ما نشهده اليوم هو بداية موت حقيقي لظاهرة السلاح خارج الدولة، أم مجرد محاولة جديدة لأن يغيّر السلاح جلده وشعاراته بينما تبقى موازين القوة الفعلية كما هي؟

الإجابة ستتوقف على ما سيحدث بعد موجة البيانات لا خلالها؛ على ما إذا كانت الأشهر المقبلة ستشهد خطوات فعلية لإعادة هيكلة بعض الألوية، وتجفيف مصادر التمويل غير الرسمية، وتوحيد القرار في العمليات، ومحاسبة من يخرق أوامر القائد العام، وتحويل جزء من المقاتلين إلى مؤسسات مدنية أو أمنية رسمية وفق معايير مهنية وقانونية واضحة، أم أن الأمور ستتوقف عند حدود "النية الحسنة" و"الخطاب المتقدّم"، فيما تستمر الحياة اليومية على ما كانت عليه، بسلاح معلن وسلاح مستتر، وبقرار رسمي وقرار موازٍ، وبخوف خافت يسكن تفاصيل حياة الناس كلما مرّت قافلة مسلحة قرب مدارسهم أو مستشفياتهم أو أسواقهم.

ما تطلبه هذه اللحظة، إذا قُرئَت من زاوية إنسانية لا سياسية فقط، هو شجاعة جماعية في الاعتراف بأن السلاح الذي حمله آلاف العراقيين لإنقاذ مدنهم من داعش، لا يمكن ولا يجب أن يبقى قدراً دائماً على أكتافهم وأكتاف أبنائهم، وأن كرامة المقاتل لا تُصان بإدامة الحرب، بل بتحويل تجربته إلى جزء من ذاكرة وطنية تحميها دولة قادرة، وقانون واضح، ومؤسسات لا تخاف من ظلّها، وأن حق الطفل في أن يكبر في حي لا تتقاطع فوقه فوهات البنادق، لا يقلّ عن حق أي دولة في أن تفاوض على سيادتها مع القوى الكبرى.
بين تلك الأم التي تنتظر رجوع ابنها، وتلك الدولة التي تحاول استعادة قرارها من تعدّد البنادق، وبين فصائل توازن بين خطاب "المقاومة" ومتطلبات البقاء في السياسة، وشارع يريد حياة عادية أقل ضجيجاً وأكثر استقراراً، سيتحدد مصير ملف حصر السلاح؛ إما خطوة أولى نحو اندماج حقيقي يطوي صفحة طويلة من ازدواج القوة، أو فصل جديد من إعادة إنتاج المشهد نفسه، ببيانات أكثر نعومة، وسلاح أقل ظهوراً، لكنّه ما يزال حاضراً في مفاصل القرار من خلف الستار.

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.