أخبار وتقارير

لحظة المواجهة

لحظة المواجهة

شارك المقال

على الضفة الأخرى، يأتي مارك سافايا بوصفه مبعوثًا غير تقليدي، لا ينتمي إلى السلك الدبلوماسي الكلاسيكي بقدر ما يأتي من عالم الأعمال والجالية الكلدانية

أهمّ ما يمنح تصريحات ويلسون وسافايا ثقلًا مضاعفًا أنّها لم تأتِ في فراغ سياسي، بل تزامنت مع دخول مشروع ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية الجديدة حيّز التنفيذ، وهي الميزانية التي حملت في بنودها تجميد جزء من المساعدات العسكرية المقدّمة إلى العراق، والاشتراط الصريح ألّا يُفرج عن هذه الأموال إلّا بعد أن يقدّم وزير الدفاع "إشهادًا" للكونغرس بأنّ الحكومة

هذا التحوّل لم يمرّ من دون ردّ فعل داخلي.
التيار الفصائلي القريب من إيران حاول في البداية التقليل من شأن جو ويلسون، والتعامل معه في الإعلام المقرّب من تلك القوى بوصفه "نائبًا هامشيًا" أو "صوتًا متطرّفًا" لا يعكس بالضرورة سياسة أمريكية راسخة، في محاولة لفصل الرجل عن صورة الدولة الأمريكية والتعامل مع مشروعه كأنه مناورة انتخابية أخرى داخل الكونغرس.
لكن ما إن بدأ يتضح أنّ ويلسون يتحرّك ضمن تنسيق مع مبعوث خاص يحمل تفويضًا مباشرًا من الرئيس، وأنّ اشتراطاته دخلت فعلًا في نصوص ميزانية البنتاغون، حتى تغيّر مستوى الخطاب.
التصعيد انتقل سريعًا نحو مارك سافايا نفسه، بوصفه الممثل الدبلوماسي لترامب في العراق، لتصدر عن بعض الفصائل رسائل شديدة اللهجة تحذّر من التعامل معه، وتعلن أنّ أي جهة عراقية تُقدِم على فتح قناة تواصل أو تعاون معه ستكون "خائنة" أو "مستهدفة" سياسيًا وإعلاميًا وربما أمنيًا.
هذا التحول من التقليل من شأن النائب إلى تخوين من يتعامل مع المبعوث يكشف، في قراءة مراقبين، عن إدراك مبكّر لدى تلك القوى بأنّ الجمع بين "قانون في الكونغرس" و"مبعوث على الأرض" يمكن أن ينتج نوعًا جديدًا من الضغط لا يقتصر على العقوبات والبيانات، بل يمسّ ة المصالح والمواقع التي راكمتها الفصائل داخل الدولة.

هذا التهديد لا يضيّق فقط هامش حركة سافايا، بل يضع الحكومة

من زاوية أوسع، يمكن قراءة هذا المشهد بوصفه محاولة لإعادة صياغة "العقد غير المكتوب" بين واشنطن وبغداد.
طوال السنوات الماضية، كانت الولايات المتحدة تميل إلى القبول بحكومات تنبثق من توافقات القوى الشيعية والكردية والسنّية، مع محاولة تعديل بعض التفاصيل عبر الضغط الناعم أو العقوبات المحدودة أو التلويح بملف المساعدات.
اليوم، يبدو أنّ جزءًا من الإدارة الأمريكية يميل إلى مقاربة أكثر تشددًا؛ شراكة لا تُمنح مجانًا، بل تُربط بحزمة شروط تتعلّق بملف الحشد الشعبي والفصائل، وبمستوى ارتباط الدولة

التحدّي الأبرز أمام هذا التوجّه الأمريكي يبقى حساسية الشارع العراقي، الذي ينظر بعين الريبة إلى أي خطاب خارجي يتضمّن مفردات مثل "التحرير" و"إعادة بناء الدولة" و"جعل العراق عظيمًا".
هذه المفردات، التي قد تبدو جذّابة في أوراق مستشارين في واشنطن، محمّلة في الذاكرة

في نهاية المطاف، يبدو العراق واقفًا أمام اختبار مزدوج؛ اختبار لقدرة واشنطن على الانتقال من خطاب نوايا كبير إلى نهج شراكة فعلية يحترم السيادة ويدعم بناء مؤسّسات قادرة على ضبط السلاح والمال والنفوذ، واختبار لقدرة النخبة

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.