أخبار وتقارير

كواليس مظلمة

كواليس مظلمة

شارك المقال

شهدت بغداد خلال السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في مساحاتها الخضراء وارتفاعاً في معدلات التلوث، بالتزامن مع توسع مشاريع استثمارية تتجه نحو استغلال الأراضي العامة والزراعية داخل المدينة وحزامها.
وتُظهر بيانات رسمية وتقارير بيئية أن العاصمة تخسر أجزاء واسعة من غطائها الأخضر تحت تأثير التحويل العمراني غير المنظم، وضعف الرقابة، وتزايد الضغوط السكانية والاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، تتقدم مشاريع استثمارية على حساب ملكيات عامة كان يُفترض أن تشكل متنفساً حضرياً أساسياً وسط مدينة تُصنَّف اليوم ضمن أكثر مدن العالم تلوثاً.

هذا التحقيق يسلط الضوء على واحدة من أبرز هذه الملفات، من خلال تتبع التحركات المتعلقة بمتنزه الزوراء، وآليات طرح الفرص الاستثمارية، وطبيعة الجهات المتقدمة لها، وكيفية انتقال مساحات محددة من نطاق الملك العام إلى دائرة المشاريع الخاصة، ضمن نمط يتكرر في مواقع مختلفة من بغداد.

يقول المصدر إن "التحرك الحالي لا يتحدث عن المتنزه كله دفعة واحدة، بل يبدأ من برج الزوراء والمساحات الخضراء المحيطة به، عبر فرصة استثمارية يجري تهيئتها بطريقة هادئة تدريجياً، من خلال مستثمر واحد يقود المشهد، لكنه لا يظهر في الواجهة بشكل مباشر"، مضيفاً أن "الملف جرى التعامل معه منذ البداية على أنه مشروع يجب أن يمر بأقل قدر ممكن من الجدل، لذلك تم العمل على خطواته داخل غرف مغلقة، بعيداً عن الرأي العام".

مصدر آخر يعمل في قطاع الإعلان التجاري يؤكد أن المستثمر المتقدم للمشروع، أو الجهات المرتبطة به، عمل منذ البداية على التحكم بالمساحات الإعلانية في الصحف والمواقع الرسمية التي تُستخدم عادة للترويج للفرص الاستثمارية، بحيث لا تظهر تفاصيل فرصة برج الزوراء بالشكل الذي يسمح بخلق اهتمام أوسع أو جذب منافسين محتملين.

وبحسب هذا المصدر، فإن "جزءاً من خطة تمرير المشروع تمثّل في تجفيف المعلومات، وعدم نشر إعلان واسع ومعاد عن تفاصيل الفرصة، والاكتفاء بدورة إعلانية محدودة جداً، مع الاعتماد على ة العلاقات الداخلية لإيصال المعلومة إلى الجهة المستهدفة مسبقاً".
ويضيف أن "هذه الطريقة ليست جديدة، بل استخدمت سابقاً في ملفات أخرى، حيث يتحول الإعلان الشكلي إلى مجرد استيفاء لإجراء قانوني، بينما يكون الترتيب الحقيقي قد حُسم في الخلفية".

وتضيف إحدى الشخصيات التي عملت سابقاً في ملف التخطيط العمراني: "في حالات كثيرة، لا يُنظر إلى المتنزه أو الأرض الزراعية بوصفهما فضاءً عاماً، بل بوصفهما رصيداً مالياً مجمداً يمكن تسييله متى ما توفرت الظروف، ولهذا نجد إصراراً على إدخال هذه الأراضي في مسارات الاستثمار، حتى لو كانت المدينة تعاني نقصاً خطيراً في المساحات الخضراء".

اليوم، يسود القلق من تكرار النمط نفسه في الزوراء، مع اختلاف في الأسلوب: ليس عبر إعلان صريح بتحويل المتنزه، بل عبر "قضم تدريجي" يبدأ من برج، ومساحة محيطة، وخدمات ملحقة، ثم يتوسع لاحقاً بحجة التطوير أو تحديث البنى التحتية داخل المتنزه.
وهنا تحذر مصادر بيئية من أن "فتح الباب لمرة واحدة سيجعل من الصعب إغلاقه لاحقاً، وسيتحول المتنزه تدريجياً من فضاء عام مفتوح إلى مجمعات مغلقة، بواجهات استثمارية مختلفة".

مصادر إدارية مطلعة ترى أن المشروع ما كان له أن يصل إلى هذه المرحلة لولا وجود "إرادة سياسية" تغطيه، ولو بشكل غير معلن، مة إلى أن "القرارات المتعلقة بالأراضي ذات الحساسية العالية لا تمر من دون غطاء، سواء من داخل مجلس الوزراء، أو عبر لجان عليا في أمانة بغداد، أو من خلال كتل سياسية تمتلك نفوذاً داخل المؤسسات التنفيذية".

قضية الزوراء ليست معزولة؛ فهي جزء من مسار أوسع يتعلق بتحويل الأراضي الزراعية إلى سكنية داخل حزام بغداد وخارجها.
دراسات متعددة عن العشوائيات والتمدد العمراني ت إلى أن تجريف الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مجمعات سكنية ومناطق عشوائية بات ظاهرة مقلقة تهدد البنية البيئية للمدينة، وتزيد من حدة التلوث ودرجات الحرارة.

وتؤكد بحوث تناولت السكن العشوائي في بغداد أن جزءاً كبيراً من هذا التمدد حدث على حساب الأراضي الزراعية المحيطة بالمدينة، عبر سلسلة من التجاوزات التي بدأت ببناء بسيط ثم تحولت إلى أحياء كاملة، في ظل ضعف تطبيق القوانين، وتداخل المصالح بين متنفذين محليين ووكلاء يبيعون الأراضي بطريقة غير رسمية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى أمر واقع يجري التعامل معه بحلول ترقيعية.

في السنوات الأخيرة، ظهرت بغداد بشكل متكرر في قوائم أكثر مدن العالم تلوثاً في الهواء، ووصلت، بحسب بيانات منصات مراقبة جودة الهواء العالمية، إلى صدارة تصنيف "أكثر المدن تلوثاً" في أيام عديدة خلال عام 2025، مع متوسط تركيز للجسيمات الدقيقة (PM2.5) في عام 2024 بلغ نحو 40.5 ميكروغرام لكل متر مكعب، أي ما يعادل أكثر من ثماني مرات الحد السنوي الموصى به من قبل منظمة الصحة العالمية، ما يضع جودة الهواء في العاصمة ضمن تصنيف "غير صحي" بشكل مستمر تقريباً.

في الوقت نفسه، تظهر دراسات عن المساحات الخضراء في بغداد تراجعاً حاداً في حصة الفرد من المساحات الخضراء؛ إذ ت إحدى الدراسات إلى أن نصيب الفرد في المدينة لا يتجاوز 0.02 متر مربع من المساحات الخضراء، في حين أن المعايير التخطيطية المعتمدة للمناطق الحارة مثل بغداد توصي بما لا يقل عن 12 متر مربع للفرد، كما أن نسب الغطاء الأخضر في العاصمة تراجعت من أكثر من 28% قبل عقود إلى نحو 12% فقط خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس خسارة متسارعة للمناطق المزروعة لصالح البناء والإسفلت.

هذه الأرقام لا يمكن فصلها عن التحولات في استخدامات الأرض؛ فكل متنزه يُقتطع، وكل أرض زراعية تُحوَّل إلى إسمنت، تعني حرارة أعلى، وتلوثاً أكبر، وجودة حياة أدنى لملايين السكان الذين يعيشون في مدينة تتوسع أفقياً من دون توازن بيئي.

ويضيف: "حين يتم تغيير توصيف أرض من زراعية أو خضراء إلى سكنية أو استثمارية، فإن قيمتها السوقية تقفز أضعافاً مضاعفة، وهنا تكمن مصلحة كثير من المتنفذين، سواء عبر الحصول على نسب من بيع الأراضي، أو الدخول كشركاء صامتين في المشاريع، أو استخدام هذه الأصول لاحقاً كضمانات للحصول على تمويلات جديدة".

في المقابل، يدفع سكان المدينة الثمن على شكل تراجع في جودة الهواء، وارتفاع في درجات الحرارة، ونقص في المساحات العامة، وتآكل في هوية المدينة البصرية والعمرانية، فضلاً عن زيادة الضغط على البنى التحتية التي لم تُصمّم لتحمل هذا الحجم من التوسع غير المنظم.

مصدر رقابي يؤكد أن "القانون يمنح مجالاً واسعاً للطعن في أي مشروع استثماري يثبت أنه خالف شروط المنافسة أو تضمن تضارب مصالح أو تسبب بأضرار بيئية جسيمة، لكن المشكلة تكمن في أن التحرك غالباً ما يأتي متأخراً، بعد أن تكون العقود قد وُقعت، والأبراج قد ارتفعت".
ويضيف: "إذا لم يُنظر إلى ملف الزوراء بوصفه قضية رأي عام، وليس فقط فرصة استثمار، فإن الباب سيبقى مفتوحاً لمشاريع أخرى تستهدف ما تبقى من المساحات العامة في بغداد".

حماية متنزه الزوراء اليوم لا تتعلق فقط بمساحة خضراء محددة، بل بمبدأ واضح: هل تبقى الملكية العامة في بغداد قابلة للمساومة تحت عنوان الاستثمار والحلول السكنية، أم أن هناك حدوداً لا يمكن تجاوزها مهما كانت المبررات؟

ما تكشفه المعطيات الأولية عن ملف برج الزوراء، وما جرى سابقاً في مطار المثنى ومناطق أخرى، وما تتعرض له الأراضي الزراعية في حزام العاصمة، ي إلى وجود نمط متكرر يحتاج إلى مواجهة واضحة، لا مجرد بيانات نفي.

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.