أخبار وتقارير

في كركوك والموصل

في كركوك والموصل

شارك المقال

من سراييفو المحاصرة في تسعينيات القرن الماضي إلى خطوط التماس في كركوك خلال الحرب على داعش، تعود إلى الواجهة واحدة من أحلك الصور التي يمكن أن تنتجها الحروب: الحديث عن "سياحة القناصة" و"رحلات السفاري البشرية"، حيث يدفع أجانب أثرياء أموالاً طائلة ليحملوا بندقية قنص ويجرّبوا إطلاق النار على بشر حقيقيين في مدنٍ تتحول إلى مسارح مفتوحة للموت.
ما كان يُنظر إليه طويلاً كفكرة أقرب إلى الخيال الأسود، يتحول اليوم إلى مادة تحقيقات قضائية في أوروبا، ومعها تظهر إشارات مقلقة تربط هذه الظاهرة بالعراق أيضاً.

لكن المقلق بالنسبة للعراق أن هذه القصص لم تعد محصورة بذاكرة البلقان.
تقارير صحفية بريطانية أخيرة نقلت عن "سائح حرب" يُدعى أندرو دروي، سافر إلى عدد من مناطق النزاع على مدى عقدين، أنه تلقى عرضاً صريحاً بإطلاق النار من بندقية قنص على هدف بشري أثناء وجوده على الخطوط الأمامية في كركوك خلال سنوات الحرب ضد داعش.
دروي، الذي تحول لاحقاً إلى صحفي ومخرج أفلام وثائقية، يقول إنه كان يقف إلى جانب قناص في إحدى الجبهات عندما عُرض عليه أن ينظر عبر المنظار ويضغط الزناد، مقابل تجربة يوحي السياق بأنها ليست مجانية تماماً، بل جزء من نمط عالمي مظلم يتقاطع مع ما يُحقق فيه اليوم في سراييفو.
الرجل يؤكد أنه رفض الفكرة "حتى دون أن يضع عينه على المنظار"، لكنه يزعم في المقابل أن "آخرين يقبلون بهذا النوع من العروض طوال الوقت".

هنا بالضبط يبدأ السؤال العراقي: إذا كانت شهادات كهذه تجد طريقها إلى الصحف البريطانية وإلى تحقيقات الادعاء في أوروبا، فماذا نعرف نحن عن شكل تداخل "سياحة الحرب" مع ساحات القتال

اللافت أن ما يرويه دروي عن كركوك يأتي في مرحلة كان فيها المشهد أكثر تعقيداً من مجرد "جبهة بين خير وشر".
على خطوط التماس في شمال العراق، تداخلت قوات الجيش والبيشمركة وفصائل محلية مختلفة، ومعها صحفيون وناشطون ومتطوعون أجانب جاءوا للقتال أو التوثيق أو المغامرة.
في هذه الفوضى، يصبح من الصعب رسم خط فاصل واضح بين من يحمل البندقية دفاعاً عن مدينة، ومن يحملها بحثاً عن تجربة مثيرة يرويها لاحقاً في برامج وثائقية أو منصات رقمية.
هنا تحديداً يظهر خطر تحوّل بعض الجبهات إلى ما يشبه "مختبراً" لتجربة العنف، حيث قد يجد زائر من لندن أو براغ أو أي مدينة أخرى فرصة أن يختبر رصاصة حقيقية على جسد إنسان عراقي، تحت ذرائع متعددة تبدأ من "ال في القتال ضد الإرهاب" ولا تنتهي عند "توثيق الحرب من الداخل".

التحقيقات الأوروبية حول "سفاري سراييفو" تكشف جانباً آخر مهماً بالنسبة للعراق: مستوى التواطؤ الذي قد ينشأ بين عناصر في قوات محلية وأجانب يدفعون المال مقابل تجربة القتل.
في البوسنة، ت الشهادات إلى أن جنوداً من جيش صرب البوسنة كانوا يسهّلون وصول "السياح" إلى نقاط القنص؛ وفي الحالة التي يصفها دروي، ثمة قناص حقيقي على جبهة عراقية يعرض بندقيته على زائر أجنبي.
الفكرة واحدة وإن اختلفت التفاصيل: الحرب تتحول إلى خدمة يمكن تقديمها بمقابل أو مجاملة، والضحية دائماً مجهول من سكان البلد المحاصر.
بالنسبة لدولة مثل العراق، عاشت سنوات طويلة تحت وطأة الاحتلال والاقتتال الأهلي والحرب على الإرهاب، فإن ترك هذه الأسئلة بلا مراجعة يعني القبول الضمني بإمكانية استنساخ "سراييفو أخرى" على أرضها، ولو على نطاق محدود.

من الناحية القانونية، تطرح هذه القصص تحدياً معقداً.
في أوروبا، يتحرك الادعاء الإيطالي اليوم على أساس جريمة "القتل العمد بدافع دنيء" بحق مواطنين قد يكونون وا في "سفاري بشرية" قبل ثلاثة عقود، مستنداً إلى مبدأ الولاية القضائية على الجرائم الدولية التي يرتكبها مواطنو الدولة في الخارج.
في العراق، لم يفتح حتى الآن – بحسب ما هو معلن – أي تحقيق قضائي خاص في ادعاءات عن "سياحة قناصة" أو أجانب في عمليات قتل بدوافع ترفيهية أو مدفوعة الأجر.
كل ما جرى التعامل معه خلال الحرب على داعش تم تصنيفه ضمن إطار "الإرهاب" أو "القتال غير المشروع" او "الانضمام إلى تنظيمات مسلحة".
هذا الفراغ في التوصيف يجعل الجريمة المحتملة غير مرئية: فأي أجنبي حمل بندقية و بشكل محدود في إطلاق النار تحت غطاء وحدة عسكرية محلية، يمكن أن يختفي بسهولة داخل ملفات أوسع وأقل تفصيلاً.

أكثر ما يثير القلق في المنحى الذي تكشفه تحقيقات البلقان وشهادات زوار الجبهات

في نهاية المطاف، تبقى حكاية "السفاري البشرية" تذكيراً قاسياً بأن الحرب لا تنتهي بانسحاب آخر دبابة أو بإعلان تحرير مدينة من تنظيم متشدد.
ثمة طبقات أعمق من العنف تستمر في الظهور بعد عقود، عبر وثائقيات وشهادات ومحاكمات، لتكشف أن ما جرى لم يكن مجرد اشتباك بين جيوش ومليشيات، بل أيضاً سوقاً خفية لعشاق القتل.
العراق، الذي دفع أثماناً باهظة في كل حرب مرَّت عليه، لا يحتمل أن يضاف إلى سجله فصل جديد من هذا النوع.
لكن منع ذلك لا يكون بالإنكار أو الصمت، بل بطرح الأسئلة الصعبة: من كان يتحكم فعلاً بساحات القتال؟ من سُمح لهم بالوصول إلى الجبهات حاملين كاميرات أو بنادق؟ ومن يضمن أن رصاصة أُطلقت "للتجربة" لم تكتب نهاية حياة إنسان مجهول، لم يكن سوى وجه آخر من وجوه هذه البلاد المنهكة بالحروب؟

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.