أقدمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خطوة غير تقليدية في سياستها تجاه العراق، بتعيين مارك سافايا مبعوثًا خاصًا للولايات المتحدة في بغداد، بدلاً من سفيرٍ تقليدي.
هذا القرار، الذي بدا في ظاهره إدارياً، يعكس في جوهره تحوّلاً نوعيًا في مقاربة واشنطن للعراق، حيث لم يعد التمثيل الدبلوماسي الكلاسيكي قادراً على مجاراة تعقيدات المشهد العراقي الذي يتقاطع فيه الأمن بالاقتصاد والسياسة بالنفوذ الإقليمي.
ويرى مراقبون في الشأن الدبلوماسي أن هذا النمط الجديد من التعيينات يعكس رغبة الإدارة الأمريكية في تجاوز البيروقراطية وتبنّي أسلوب أكثر تحكماً ومرونة في إدارة الملفات الحساسة مثل العراق.
ويؤكد مختصون في العلاقات الدولية أن هذا التحول يعكس تصاعد فكرة “الدبلوماسية التنفيذية” في السياسة الأمريكية، وهي منهج يقوم على تركيز القرار في يد الرئيس وفريقه الضيق بدلاً من مؤسسات الدولة التقليدية.
تحليلات سياسية متقاطعة اعتبرت أن تعيين مارك سافايا، وهو رجل أعمال من أصول عراقية أمريكية عُرف بلقب “ملك القنب والماريجوانا” في كاليفورنيا، ليس تفصيلاً هامشيًا، بل يحمل دلالات اقتصادية واضحة.
فاختيار شخصية من عالم المال والأعمال وليس من السلك الدبلوماسي يُظهر أن واشنطن تتعامل مع العراق بعقلية “إدارة الصفقة” لا “إدارة الدولة”، إذ يُراد للمبعوث أن يكون مديرًا لملفٍ اقتصادي-أمني، لا ممثلاً دبلوماسياً محايدًا.
ويذهب محللون اقتصاديون إلى أن الإدارة الأمريكية في عهد ترامب تميل إلى تعيين شخصيات من قطاع المال والأعمال لإدارة الملفات الدولية الحساسة، بهدف تحويل السياسة الخارجية إلى منظومة استثمارية مربحة.
يُفهم من ذلك أن واشنطن، وهي تعيد هندسة تمثيلها في بغداد، تبقي على خيطٍ متصل مع أربيل، إذ يشكّل الإقليم بوابةً دائمة لأي مشروع أمريكي يواجه صعوبة في المرور عبر بغداد.
ويرى مختصون في الشأن الكردي أن هذه المرونة الأمريكية تجاه الإقليم قد تعيد تنشيط دوره في الوساطات الإقليمية والملفات النفطية المشتركة، خصوصًا إذا تبنّى المبعوث الأمريكي الجديد سياسة الانفتاح الاقتصادي المباشر.
وربما يجد سافايا في العلاقات الكردية نقطة ارتكازٍ اقتصادية وسياسية تسهّل مهامه المقبلة، خاصة في ظل استمرار الخلافات بين المركز والإقليم حول ملف النفط والموازنة.
ويؤكد باحثون أن هذا التلاقي بين واشنطن وأربيل قد يتحول إلى محورٍ موازٍ لبغداد إذا لم تُحسن الحكومة الاتحادية إدارة التوازن بين العاصمتين.
يتزامن تعيين سافايا مع تصريحاتٍ لافتة للرئيس ترامب خلال قمة شرم الشيخ للسلام، حين قال صراحة إن "النفط العراقي كثير وإذا لم يحسنوا إدارته فستحصل لهم مشاكل".
ويرى مراقبون للسياسة الأمريكية أن هذه التصريحات ليست عابرة، بل تعبّر عن رؤية راسخة لدى ترامب تعتبر أن العراق ملف اقتصادي بالدرجة الأولى، وأن موارده النفطية هي جوهر الاهتمام الأمريكي المستمر.
هذه التصريحات التي أعادت إلى الأذهان طموح ترامب القديم بالسيطرة على الموارد النفطية حينما قال: “النفط العراقي كان يجب أن يكون تحت إدارةٍ أمريكية منذ عام 2003”، مضيفًا أن الولايات المتحدة “دفعت ثمناً باهظاً في العراق ولم تحصل على مقابلٍ يوازي ذلك”، والتي تأتي متزامنة مع إرسال مبعوثٍ هو رجل أعمال له تاريخ في إدارة الثروات والأسواق، الأمر الذي يُقرأ بوصفه مؤشراً إلى عودة منطق “النفط مقابل النفوذ”.
وبحسب تحليلات اقتصادية متخصصة، فإن اختيار شخصية ذات خبرة في إدارة الأسواق والطاقة قد يمهّد لإعادة رسم خريطة النفوذ الاقتصادي الأمريكي في العراق بطريقة أكثر مباشرة.
وفي ضوء هذا التزامن، يُحتمل أن تتحوّل مهمة المبعوث
ويؤكد خبراء في شؤون الطاقة أن الولايات المتحدة تسعى اليوم لاستعادة نفوذها في قطاع النفط العراقي، سواء من خلال الشركات الاستثمارية أو النفوذ السياسي المباشر عبر مبعوثها الجديد.
على المستوى الداخلي، انقسمت ردود الفعل
أما داخل أروقة الحكومة الاتحادية، فبرزت مقاربة حذرة تدعو إلى “التواصل البنّاء” مع واشنطن، مع الإقرار بأن هذا التعيين قد يُكرّس واقعاً جديداً يجعل العراق متلقياً أكثر منه شريكاً.
وي باحثون في الشأن العراقي إلى أن هذا الموقف المزدوج يعكس انقساماً في النخبة السياسية بين من يرى في الخطوة تهديداً للسيادة، ومن يعتبرها فرصة لتفعيل التوازن الدولي لصالح بغداد.
وبين هذين الخطين، يقف العراق أمام معادلةٍ دقيقة: الحفاظ على السيادة دون خسارة التواصل مع الحليف الدولي الأقوى.
ويؤكد مختصون في العلاقات الدولية أن هذا التحدي سيكون اختباراً لقدرة بغداد على بناء شراكة متكافئة لا تُدار من الخارج.
يبدو أن إدارة ترامب تعيد اليوم صياغة حضورها في العراق بطريقةٍ تتجاوز العُرف الدبلوماسي إلى ما يشبه “دبلوماسية الأعمال”، حيث تتحوّل العلاقات من صيغتها السياسية إلى صفقات اقتصادية مغطاة بعباءة سياسية.
فالمبعوث الجديد ليس مجرد حامل حقيبة، بل واجهة لتحويل العلاقة إلى إدارة مباشرة من البيت الأبيض، تختزل المؤسسات وتمنح واشنطن نفاذاً فوريًا إلى القرار العراقي.
ويرى مراقبون في السياسة الأمريكية أن هذه المقاربة تمثل محاولة لربط الاقتصاد بالسياسة الخارجية على نحو غير مسبوق، بحيث يصبح العراق مختبراً لتطبيق مفهوم “الدبلوماسية الصفقيّة” التي يتبنّاها ترامب.
إنّ تعيين سافايا في هذا التوقيت، المقرون بخطاب ترامب في شرم الشيخ، يُ إلى أن واشنطن عادت إلى المبدأ القديم نفسه: العراق موردٌ استراتيجي قبل أن يكون حليفًا سياسيًا.
ويخلص محللون إلى أن بغداد، إن لم تعتمد استراتيجية متوازنة في التعامل مع هذا النمط الجديد من العلاقات، فقد تجد نفسها أمام مرحلة من “الوصاية الاقتصادية” تُدار بوجهٍ جديد وأدوات أكثر نعومة لكنها أكثر نفاذاً في العمق العراقي.


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.