أخبار وتقارير

صفحة نفوذ جديدة

صفحة نفوذ جديدة

شارك المقال

في خطوة تحمل إشارات أبعد من حدود الدبلوماسية، أطلق المبعوث الأمريكي إلى العراق مارك سافايا سلسلة تصريحات لافتة، قال فيها إن واشنطن "ستعمل مع كل الأطراف

تلك التصريحات التي جاءت بلهجة ودية ومباشرة، فسرت في الأوساط

ويرى العزاوي أن وجود مبعوث خاص للرئيس الأمريكي "سيعزز مكانة العراق دولياً، ويمكّنه من تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008، والتي لم يُنفذ منها سوى أقل من 20 بالمئة"، ماً إلى أن هذه الخطوة "تفتح الباب أمام علاقة ثنائية تقوم على مبدأ الشراكة لا التبعية، وتمنح واشنطن فرصة لتصحيح صورتها بعد سنوات من الفتور الدبلوماسي".

جاءت تصريحات سافايا بعد أيام من الاتصال الهاتفي بين رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي أعاد بدوره تسليط الضوء على التباين بين الخطابين العراقي والأمريكي.

يقول الخبير في الشؤون الاستراتيجية محمد التميمي إن "الاختلاف بين البيانين يعكس اختلافاً في زاوية النظر؛ بغداد تحاول تثبيت خطاب السيادة الداخلي، فيما تسعى واشنطن إلى ضبط الإيقاع الأمني في المنطقة عبر العراق".
ويضيف أن "كلا الطرفين يختبر حدود العلاقة من جديد، بين رغبة العراق في الحفاظ على استقلال قراره، ورغبة واشنطن في تقليص نفوذ الفصائل المسلحة".

تعيين مارك سافايا مبعوثاً خاصاً إلى العراق، بدلاً من سفير تقليدي، لا يُقرأ كإجراء إداري بل كتحول في طريقة إدارة ترامب للملفات الخارجية.
فالرجل من أصول عراقية كلدانية ويُعرف في الولايات المتحدة بـ"ملك القنب في ديترويت"، وهو نموذج لـ"الدبلوماسية التنفيذية" التي تجمع بين القرار السياسي والبعد الاقتصادي.

ويرى مراقبون أن اختيار سافايا ي إلى انتقال العلاقة مع العراق من الدبلوماسية إلى الإدارة المباشرة، فالمبعوث يحمل تفويضاً خاصاً من البيت الأبيض للتحرك بحرية في ملفات الطاقة والاستثمار والأمن.
ويقول الباحث ياسين عزيز إن "إرسال مبعوث بهذه الصفة يعكس اقتناعاً أمريكياً بأن الوضع في العراق هش، وأن الاستقرار قد يختل في أي لحظة، لذلك جاء الخيار بيدٍ تنفيذية قادرة على الحركة خارج المسار التقليدي للخارجية الأمريكية".

تُظهر تجربة ترامب أن هذا الأسلوب لم يعد استثناءً؛ فمبعوثوه في لبنان وغزة وشرق المتوسط لم يكونوا دبلوماسيين محترفين، بل رجال أعمال يملكون ة علاقات تمتد بين المال والسياسة.
ويبدو أن العراق سيكون التجربة الأهم لهذا النموذج الجديد، حيث يختلط الأمن بالنفط، والسياسة بالاقتصاد، في ملف واحد تتعامل معه واشنطن بعقلية الصفقة لا التحالف.

تتزامن هذه التحركات مع استعداد بغداد لانتخابات تشرين الثاني المقبل، ما يجعلها ساحة اختبار حقيقية للعلاقة مع واشنطن.
فالإدارة الأمريكية تحاول أن تضبط المشهد من بعيد عبر أدوات ناعمة؛ مبعوث خاص، ضغوط مالية، ومراقبة دقيقة للقوى السياسية، بينما تسعى الحكومة

ويرى الباحث أحمد الشريفي أن العقوبات ما تزال خياراً مطروحاً وقد تستخدم كأداة ضغط في الأيام الأخيرة قبل الاقتراع، بينما يؤكد المحلل عدنان التميمي أن واشنطن "تفضّل مراقبة الوضع قبل اتخاذ قرارات حاسمة".
وبهذا، تبقى المعادلة قائمة على الترقب والاختبار، لا على المواجهة المباشرة.

يرى الباحث لقمان حسين أن "إقليم كردستان قد يكون المستفيد الأول من السياسة الأمريكية الجديدة"، موضحاً أن واشنطن لطالما استخدمت الإقليم بوصفه منصة ضغط متوازنة في الملفات

تتجه الولايات المتحدة اليوم نحو مرحلة يمكن تسميتها بـ"التحكم الناعم"، حيث يجري استبدال النفوذ العسكري بالأدوات الاقتصادية والمالية.
ويقول باحثون في العلاقات الدولية إن "الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى قواعد عسكرية لتؤثر في القرار العراقي، بل يكفيها أن تمسك بخيوط التمويل والمشاريع الاستراتيجية".

بهذا المعنى، يمثل سافايا واجهة سياسية واقتصادية في آنٍ واحد، يجمع بين رخصة الاستثمار وحق الوصول إلى مراكز القرار، ويختبر مدى استعداد بغداد لاحتضان النمط الجديد من النفوذ الأمريكي.

ويرى مراقبون، أن تحركات واشنطن الأخيرة، من تصريحات سافايا إلى اتصال روبيو بالسوداني، تكشف عن عودة منظمة للولايات المتحدة إلى قلب المشهد العراقي، لكن بأسلوب مغاير لما بعد 2003.
فالعراق اليوم لم يعد ملفاً أمنياً صرفاً، بل مساحة نفوذ اقتصادي وسياسي تُدار من البيت الأبيض مباشرة.

ومع كل التصريحات عن "عراق قوي وموحد"، يدرك المراقبون أن الطريق نحو تلك الشراكة سيبقى مرهوناً بقدرة بغداد على الموازنة بين سيادتها ومصالحها، وبين شراكتها مع واشنطن وارتباطها الإقليمي، في مشهد تتقاطع فيه كل الخيوط، وتُعاد فيه كتابة قواعد اللعبة من جديد.

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.