أخبار وتقارير

شبح الحصار الشامل يعود.. تسريبات متلاحقة عن أكبر حزمة عقوبات أمريكية على العراق منذ التسعينيات

شبح الحصار الشامل يعود.. تسريبات متلاحقة عن أكبر حزمة عقوبات أمريكية على العراق منذ التسعينيات

شارك المقال

تبدو بغداد، في خضمّ التسريبات المتلاحقة عن حزمة عقوبات أمريكية جديدة توصف بأنّها الأكبر والأوسع منذ سنوات، وكأنّها تعود إلى قلب لعبة الضغط المالي والسياسي ولكن بصيغة مختلفة عمّا عرفه العراقيون في زمن الحصار الشامل قبل عام 2003، إذ لم يعد الأمر يتعلّق بدولة تُحاصَر بالكامل وتُقيَّد حركتها في النفط والتجارة والمال، بل بة متداخلة من المصارف والشركات والواجهات الاقتصادية والشخصيات السياسية النافذة التي باتت تشكّل، في نظر واشنطن، مفاصل رئيسية في بنية النفوذ الداخلي والخارجي على حدّ سواء، في لحظة تتقاطع فيها معركة تشكيل الحكومة المقبلة مع صراع مفتوح على النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، ويجد فيها العراق نفسه مرة أخرى في موقع "الساحة – العقدة" التي يُراد إعادة ضبط قواعد اللعب فيها من بوابة وزارة الخزانة بقدر ما يُراد التأثير فيها عبر الرسائل العسكرية والسياسية.

وبحسب تقرير نشرته ة "ذا نيو أراب"، فإنّ حزمة عقوبات مرتقبة، جرى إبلاغ الحكومة العراقية بها عبر قنوات دبلوماسية، وُصفت بأنّها الأكبر منذ سنوات، تأتي مباشرة بعد تراجع بغداد عن قرار إدراج حزب الله اللبناني وحركة أنصار الله الحوثية على قوائم الإرهاب المحلية، وهي خطوة قرأتها دوائر أمريكية على أنّها تراجع واضح عن مسار التزامات تعهّدت بها أطراف في الدولة، في حين تعاملت معها قوى بارزة ضمن الإطار التنسيقي والفصائل المتحالفة مع طهران بوصفها تصحيحاً لمسار "قرار متسرّع" كان يمكن أن ينفجر في الداخل العراقي، الأمر الذي جعل ملف التصنيف هذا يتحوّل إلى مقدّمة لمرحلة جديدة من شدّ الحبل بين الضغوط الأمريكية وهواجس الحلفاء الإقليميين، أكثر من كونه مجرّد تفصيل قانوني عابر في جريدة رسمية.

في موازاة ذلك، يكشف مصدر مطّلع تحدّث لـ"بغداد اليوم" أنّ رسائل أمريكية "غير معلنة" وصلت إلى بغداد خلال الأشهر الثلاثة الماضية، عبر ممثّلين عن البيت الأبيض ومسؤولين يشغلون مناصب متعددة، حملت في مضمونها أكثر من طبقة؛ من بينها تحذير واضح من احتمال فرض عقوبات اقتصادية على سبعة سياسيين وثلاث قوى سياسية عراقية، بدعوى تورّطهم في غسيل أموال أو تمويل أطراف خارجية، من إيران ولبنان إلى الحوثيين في اليمن، خلال فترات تولّيهم مناصب رفيعة، مع تأكيد على أنّ الجانب الأمريكي يمتلك، وفق تلك الرسائل، معلومات تفصيلية عن مسارات خروج الأموال من العراق وطرق تدويرها في ات إقليمية، وأنّ هذه الملفات يمكن أن تتحوّل إلى إجراءات معلنة إذا شعرت واشنطن بأنّ موازين تشكيل الحكومة المقبلة تسير في اتجاه يهدّد مصالحها أو يعيد ترسيخ نفوذ خصومها داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يفسّر – بحسب المصدر – شيئاً من الهدوء النسبي الذي طغى مؤخّراً على الخطاب السياسي العلني تجاه الوجود الأمريكي مقارنة بفترات سابقة كان فيها التصعيد اللفظي أعلى والخيارات العملية أقل.

من الحصار الشامل إلى العقوبات المركّزة: تحوّل الأداة لا تغيّر الهدف

منذ مطلع التسعينيات وحتى سقوط النظام السابق عام 2003، عاش العراق تحت واحدة من أكثر منظومات العقاب الاقتصادي قسوة في تاريخه الحديث، إذ فرض مجلس الأمن، بدفع أمريكي واضح، عقوبات شاملة قيّدت صادرات النفط، وقيّدت الاستيراد، وجرّدت الدولة من القدرة على التعامل الحرّ مع النظام المالي العالمي، وفتحت الباب لبرنامج "النفط مقابل الغذاء" بوصفه الآلية الوحيدة تقريباً لتدفّق الموارد تحت إشراف دولي مباشر، قبل أن تُرفع تلك المنظومة تدريجياً بعد تغيير النظام، ويجري الانتقال إلى نمط جديد من العقوبات يقوم على استهداف الأفراد والكيانات والمؤسسات المرتبطة بسلوك معيّن، من دون العودة إلى تجميد شامل لكيان الدولة كما كان عليه الحال في حقبة ما قبل 2003.

بعد هذا التحوّل، بدأت واشنطن، عبر أوامر تنفيذية خاصة بالعراق، تعتمد مقاربة تقوم على إدراج كلّ من تعتبره "مهدّداً للسلام والاستقرار" أو "داعماً للإرهاب" أو "منخرطاً في الفساد" في قوائم عقوبات محدّدة، فظهر اسم العراق كثيراً في سياق أوامر من نوع 13438 أو في استخدام الأمر التنفيذي 13224 المتعلق بمكافحة الإرهاب ضد فصائل مسلحة وقادتها، لكن مع الحرص على إبقاء مؤسسات الدولة الأساسية – من البنك المركزي إلى وزارة النفط – خارج نطاق الشلل الكامل، في محاولة لصناعة توازن دقيق بين استمرار الدولة في أداء وظائفها الأساسية، ومعاقبة الفاعلين الذين ترى واشنطن أنّهم يهدّدون هذا الاستقرار أو يربطون اقتصاد البلد بات خارجية تعتبرها خصماً مباشراً.

ومع إدخال "قانون ماغنيتسكي العالمي" إلى المشهد منذ عام 2018، وهو القانون الذي يسمح بفرض عقوبات على أفراد متهمين بالفساد أو انتهاك حقوق الإنسان في أي بلد، دخل العراق عملياً مرحلة جديدة، إذ أصبحت أسماء مسؤولين وسياسيين عراقيين مطروحة على لائحة الاستهداف ليس بسبب دورهم الأمني فقط، بل بسبب ملفات تتعلّق بإدارة المال العام واستغلال النفوذ وتغذية ات اقتصادية موازية، بما أرسل إشارة بأنّ العقوبات لم تعد أداة موجّهة حصراً إلى "المقاتل"، بل يمكن أن تطال "السياسي – الإداري – رجل الأعمال" الذي يشكّل الجزء المدني من منظومة النفوذ على الأرض.

من الفصيل إلى المصرف والشركة: حرب الدولار والات الاقتصادية

التحوّل الأعمق في السنوات الأخيرة تجسّد في انتقال مركز الثقل من استهداف الفصيل المسلح مباشرة إلى استهداف المنظومة المالية والاقتصادية التي تغذّيه أو تمنحه القدرة على الحركة في الداخل والخارج، إذ شهد عام 2023 وأعوام ما بعده تصعيداً ملحوظاً في استخدام وزارة الخزانة الأمريكية لأداتها الأبرز: "النظام المالي بالدولار"، بوصفه سلاحاً لإعادة تشكيل قواعد اللعب في السوق العراقية، لا سيّما بعد قرار منع 14 مصرفاً عراقياً خاصاً من الوصول إلى الدولار، ثم توسيع القائمة لاحقاً لتشمل مصارف أخرى حتى تجاوز عدد البنوك الممنوعة من التعامل المباشر بالدولار عشرين مصرفاً، في خطوة برّرتها واشنطن بالحديث عن "تهريب العملة إلى إيران وسوريا" عبر فواتير تجارية مشكوك فيها وعمليات غسيل أموال متراكمة.

هذا المسار لم يُقرأ داخل العراق على أنّه مجرّد محاولة لتحسين "الامتثال المصرفي"، بل جرى التعامل معه، من قبل جزء من الخبراء والمراقبين، بوصفه مدخلاً لإعادة صياغة علاقة الاقتصاد العراقي بات المال الإقليمية، خصوصاً مع ما أفرزته القيود على المصارف من اضطراب في سعر الصرف، وتأخير في تحويلات الاستيراد، وارتفاع في كلفة التعاملات التجارية، الأمر الذي دفع شريحة من السوق للبحث عن قنوات موازية غير رسمية، وزاد في الوقت ذاته من الضغوط على البنك المركزي وعلى الحكومة في إدارة التوازن بين تلبية متطلبات الخزانة الأمريكية وبين محاولة احتواء الآثار الاجتماعية والسياسية لاضطراب الدولار على الشارع.

ولم تقف العقوبات عند حدود البنوك، بل امتدّت إلى شركات بعينها، كما حدث عند إدراج شركة "فلاي بغداد" ومديرها التنفيذي ضمن قوائم العقوبات مطلع عام 2024 بتهمة المساعدة في نقل معدات وأفراد لصالح فيلق القدس الإيراني وفصائل حليفة في الإقليم، مع إصدار رخصة خاصة لتنظيم انسحاب تدريجي يحول دون تعطيل حركة المسافرين المدنيين، في مثال واضح على استخدام "دقة الجرعة" في العقوبات: ضرب الة اللوجستية التي تُعتبر جزءاً من البنية الإيرانية، من دون إحداث فوضى شاملة في قطاع الطيران المدني.

وتوِّج هذا المسار في تشرين الأول 2025 بحزمة جديدة استهدفت شركات من قبيل "المهندس العامة" و"بلدنا للاستثمارات الزراعية" وأفراداً من رجال الأعمال والقطاع المالي، بتهم تتعلّق بغسل الأموال والاستيلاء على عقود حكومية وتهريب السلاح والنفط لصالح الحرس الثوري الإيراني وكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، وهي حزمة رأت فيها الحكومة العراقية قرارات "مؤسفة" وأعلنت تشكيل لجنة لدراسة آثارها، في حين تعاملت معها الفصائل بوصفها جزءاً من "حملة سياسية" لتجفيف مصادر تمويلها تحت شعار مكافحة الفساد والإرهاب، ما جعل ملفّ العقوبات يتحوّل تدريجياً من ورقة ضغط خارجية إلى عامل من العوامل التي تعيد رسم خريطة القوى الاقتصادية داخل البلد نفسه.

"القرار – التراجع" حول حزب الله والحوثيين: إشارة صغيرة داخل مشهد كبير

وسط هذا المشهد المتشابك، جاء قرار إدراج حزب الله اللبناني والحوثيين على قوائم الإرهاب العراقية، ثم التراجع السريع عنه، ليكشف عن طبيعة التعقيد الذي يواجهه صانع القرار في بغداد حين يحاول الوقوف في منتصف المسافة بين مطالب واشنطن وحدود ما يمكن تحمّله داخلياً، إذ نُشر قرار لجنة تجميد أموال الإرهابيين رقم 61 لسنة 2025 في جريدة "الوقائع العراقية"، متضمّناً أسماء تلك الجماعات ضمن قائمة الكيانات المشمولة بالتجميد، قبل أن تعود اللجنة لتصدر بياناً توضيحياً تؤكد فيه أنّ إدراج هذه الأسماء جاء ضمن قائمة أوسع قُدمت من دولة ماليزيا بموجب قرار مجلس الأمن 1373، وأنّ موافقة العراق اقتصرت على الكيانات المرتبطة بتنظيمي داعش والقاعدة، وأنّ إدخال حزب الله والحوثيين كان نتيجة "نشر القا

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.