أخبار وتقارير

شبح الإرهاب

شبح الإرهاب

شارك المقال

على الخرائط العسكرية والتقارير الرسمية في بغداد، تبدو الحدود

ويضيف وتوت أن الكثير مما يرد في وسائل الإعلام عن هشاشة الشريط الحدودي لا يعكس، من وجهة نظره، الواقع الميداني، موضحاً أن "التهويل الإعلامي بشأن وجود مخاطر على الشريط الحدودي لا يستند إلى معطيات واقعية، والوضع هناك تحت السيطرة بالكامل بفضل الجهد المتواصل للقوات المسلحة بجميع صنوفها وإسناد أبناء المناطق الحدودية"، وماً إلى أن التنسيق بين "الجهات الأمنية

في المقابل، يقدم وزير الداخلية السوري أنس خطاب صورة مختلفة عن المشهد الأمني داخل بلاده، لا تمس الخط الحدودي مباشرة، لكنها تعيد تعريف البيئة التي ينشأ منها الخطر المحتمل.
خطاب أقر في تصريح أخير بأن "الكثير ممن لم تعجبه سياستنا انضم لتنظيم داعش"، متحدثاً عن أن التنظيم بدأ بالانتشار في المدن السورية الكبرى، من دمشق وحلب إلى إدلب واللاذقية وطرطوس وحماة والبادية، بما يعني أن التحدي لم يعد مقتصراً على جيوب صحراوية أو قرى هامشية، بل يمتد إلى مراكز حضرية وساحلية وداخلية، ويستثمر حالة التحول السياسي والأمني التي تعيشها البلاد بعد سقوط النظام السابق وصعود قيادة جديدة.
هذا الاعتراف الرسمي يجعل من أي حديث عن استقرار على خطوط التماس مسألة نسبية، لأن طبيعة الخطر تتغير في العمق السوري حتى لو بدت الحدود نفسها هادئة في اللحظة الراهنة.

إلى جانب هذه الصورة، يضيف القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي طبقة أخرى من المعطيات تتعلق بما يسميه "التهديد المستمر" للتنظيم، سواء في شكل خلايا نائمة أو في شكل سجون ومخيمات مكتظة بعناصره وعائلاتهم.
عبدي يؤكد، في أكثر من مناسبة، أن داعش "لا يزال قائماً" وأن خلاياه تواصل النشاط في مناطق مختلفة من شمال وشرق سوريا، وأن قواته تقدم "تضحيات يومية" في مواجهته، ماً إلى أن "قسد" تدير أكثر من 26 مركز احتجاز وثلاثة سجون رئيسية تضم نحو 10 آلاف سجين من عناصر التنظيم، منها ما بين 3 آلاف إلى 4 آلاف في مرافق الحسكة وحدها، إلى جانب مخيمات تضم عشرات الآلاف من عوائل المقاتلين، وفي مقدمتها مخيم الهول.
كما ي إلى وجود وثائق استخباراتية تتحدث عن خطط لشن هجمات على هذه السجون والمخيمات على غرار الهجوم الذي استهدف سجن غويران في الحسكة عام 2022، محذراً من أن أي نجاح لمثل هذه العمليات سيعني عودة سريعة لمقاتلين أشد تطرفاً إلى الميدان.

في قراءة عبدي، قضية معتقلي داعش وعائلاتهم ليست شأناً محلياً يمكن تركه لقواته وحدها، بل "قضية دولية" لا يمكن التعامل معها إلا من خلال مقاربة أوسع ت فيها الأمم المتحدة ودول المنطقة والدول التي يحمل هؤلاء جنسياتها، إذ يرى أن إبقاء عشرات الآلاف في مخيمات مثل الهول من دون حلول سياسية وقضائية وإعادة تأهيل وتعليم وخدمات كافية، يخلق بيئة جاهزة لإنتاج جيل جديد يحمل أفكار التنظيم ويعيد تدويرها، خاصة مع تراجع الدعم الدولي وتنامي الضغوط على الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا.
في هذا السياق، تصبح السجون والمخيمات جزءاً من معادلة التهديد وليست مجرد ملف إنساني أو إداري، لأن أي خلل أمني أو سياسي هناك قد ينعكس موجات حركة لا تقتصر على الأراضي السورية، بل تمتد إلى الدول المجاورة، وفي مقدمتها العراق.

ومع اقتراب انتهاء المهلة، تتزايد التقديرات بإمكان لجوء دمشق إلى استخدام أدوات ضغط إضافية على "قسد" في مناطق السجون والمعسكرات، بدفع سياسي، وربما عملياتي، من أنقرة التي تعلن بشكل متكرر رفضها لبقاء هذه المنشآت تحت سيطرة قوة تراها امتداداً لحزب العمال الكردستاني.
الحديث عن مركز عمليات مشترك لمكافحة داعش يضم تركيا وسوريا والعراق والأردن، إلى جانب الدعوات التركية العلنية لتسليم ملف السجون والمخيمات إلى الحكومة السورية، يغذي توقعات بأن المرحلة المقبلة قد تشهد تحركات عسكرية محدودة أو عمليات "جراحية" في بعض المناطق الحساسة من شمال وشرق سوريا، وهي مناطق ترتبط ميدانياً بخطوط التهريب والحركة التي سبق أن استُخدمت للوصول إلى الحدود العراقية.

إذا جُمعت هذه الصور معاً، تظهر مفارقة واضحة: العراق يتحدث عن حدود مستقرة، ممسوكة عسكرياً ومراقبة استخباراتياً، بينما تعترف دمشق بأن خصوماً سابقين للسلطة انتقلوا إلى صفوف داعش الذي بدأ يتموضع في مدن أساسية، وتقر قيادة "قسد" بأنها تدير واحدة من أكبر منظومات احتجاز لعناصر التنظيم في العالم وسط مخاوف من هجمات على السجون والمخيمات، فيما تدفع أنقرة باتجاه تغيير بنية السيطرة في شمال وشرق سوريا عبر دمج "قسد" في المنظومة الرسمية السورية ونقل ملف معتقلي التنظيم إلى دمشق.
هذا التباين لا ينفي صحة التوصيف العراقي لحالة الهدوء على الشريط الحدودي خلال العام الماضي، لكنه يضعه في إطار أوسع ي إلى أن مستوى الاستقرار على الخط الفاصل قد يتأثر، على المدى المتوسط أو البعيد، بما يجري في العمق السوري من تحولات في خرائط التنظيم، وولاءات المجموعات المحلية، واتجاهات التدخل الإقليمي والدولي.

في ضوء ذلك، تبدو مسؤولية بغداد مزدوجة؛ فمن جهة، تستمر في تمتين إجراءاتها الميدانية على الشريط الحدودي، كما يؤكد ياسر وتوت حين يشدد على أن "أمن العراق يمثل خطاً أحمر، وأن القوات الأمنية على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي طارئ"، ومن جهة أخرى، تحتاج إلى قراءة أعمق لما يجري داخل سوريا، سواء في المدن التي يقول أنس خطاب إن التنظيم بدأ بالانتشار فيها، أو في السجون والمخيمات التي يتحدث عنها مظلوم عبدي بوصفها "قنابل مؤجلة"، أو في الخرائط الجديدة التي قد تنتج عن تطبيق، أو تعثر، اتفاق الدمج بين دمشق و"قسد" تحت أنظار أنقرة.
بين هذه العناصر الثلاثة، يتحدد مستقبل الحدود

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.