هذا الواقع يطرح سؤالاً سياسياً واقتصادياً في آن واحد: لماذا لم ينجح العراق، رغم تحسّن الأمن وتحديث جزء من أسطوله الجوي، في استعادة حقّ التحليق في واحدة من أهمّ مناطق العالم الجوية؟
بعد حرب الخليج عام 1991، عاش العراق تحت نظام مناطق حظر طيران في الشمال والجنوب، تولّت القوات الامريكية والبريطانية فرضه حتى الغزو عام 2003، في إطار ما كان يُقدَّم حينها بوصفه "حماية للأقليات" و"ردعاً للنظام".
في تلك المرحلة، كان الحظر عسكرياً صرفاً، يستهدف سلاح الجو العراقي ويمنع طائراته من التحليق فوق أجزاء واسعة من أراضيه.
بهذا المعنى، ورث العراق سمعة أجواء مضطربة أمنياً.
غير أنّ الحظر الأوروبي الحالي لا يتعلق بهذه المخاوف بقدر ما يرتبط بملف آخر أكثر تعقيداً: منظومة السلامة الجوية.
في عام 2005، أقرّ الاتحاد الأوروبي ما يُعرف بـ"قائمة السلامة الجوية" (EU Air Safety List)، وهي لائحة بالناقلين الجويين من خارج الاتحاد الذين لا يستوفون معايير السلامة الدولية، فيُحظر عليهم تشغيل رحلات إلى مطارات الاتحاد أو داخل مجاله الجوي.
تستند اللائحة إلى تنظيمات أوروبية، أبرزها اللائحة (EC) رقم 474/2006، وتُحدَّث بشكل دوري من خلال ملاحق تُنشر في الجريدة الرسمية للاتحاد.
مصادر مختصة وتقارير لاحقة أوضحت أنّ جوهر الإشكال لا يتعلّق بحادث معيّن، بل بمنظومة كاملة من المعايير التي تشمل: إدارة الصيانة، تدريب الطواقم، إجراءات إدارة المخاطر، والأهم قدرة سلطة الطيران المدني
في 30 تشرين الثاني 2023، أعلنت المفوضية الأوروبية تحديثاً جديداً لقائمة السلامة أضاف هذه المرّة شركة "فلاي بغداد" الخاصة إلى اللائحة السوداء.
البيان الرسمي أوضح أن القرار "يستند إلى مخاوف تتعلق بالسلامة حدّدتها وكالة سلامة الطيران الأوروبية، وأدّت إلى رفض منح الشركة تفويض مشغّل دولة ثالثة Part-TCO"، وهو الترخيص الإلزامي لأي ناقل غير أوروبي يريد تشغيل رحلات من وإلى أو داخل الاتحاد.
تفصيلات فنية نشرها موقع FlightGlobal ومراجع متخصّصة أخرى، أظهرت أن جزءاً من القلق الأوروبي كان مرتبطاً بإدارة إرهاق الطواقم، وتنظيم ساعات الطيران والراحة، إضافة إلى ملاحظات أوسع على أنظمة السلامة التشغيلية للشركة وخططها التصحيحية.
هذه الملاحظات انعكست مباشرة على صورة سلطة الطيران المدني
ثم جاءت عقوبات وزارة الخزانة الامريكية في كانون الثاني 2024 على "فلاي بغداد" ومديرها، بتهمة تقديم دعم لجهات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني عبر نقل مقاتلين وشحنات سلاح، لتعقّد المشهد أكثر وتربط اسم الشركة بملف أمني – سياسي واسع يتجاوز حدود السلامة الفنية البحتة.
القراءة الأوروبية تبدو واضحة في الوثائق الرسمية والتصريحات: العراق مدرج على القائمة بسبب "عدم الامتثال لمعايير السلامة الدولية"، وأن رفع الحظر مشروط بإثبات تقدّم ملموس في خطط الإصلاح التي يجري التفاوض حولها مع EASA، بما في ذلك تحديث الأطر التشريعية، وتعزيز قدرات الرقابة، واستكمال برامج IOSA الخاصة بالسلامة.
ويضيف: "وزير النقل سيعقد الأسبوع المقبل اجتماعاً مهماً لتسليط الضوء على هذا الملف، من خلال التنسيق والانفتاح على بعض الدول، وطرح خارطة طريق لمعالجة المتعلقات المالية".
ويرجّح أن "حسم هذا الملف ليس معقداً، كونه ذا طبيعة مالية، وهناك جهود لتوفير المبالغ المطلوبة"، متوقعاً أن "يُحسم الموضوع خلال فترة وجيزة، وتعاود الشركات
ويؤكد الساعدي مجدداً أن "الملف مالي بحت، ولا يتعلق بأي مشاكل فنية، كما أن القضية لا تقتصر على الأجواء الأوروبية فقط، بل تشمل دولاً أخرى أيضاً"، لافتاً إلى أن "وزارة النقل وضعت خارطة طريق متكاملة لحسم الملف خلال الفترة المقبلة".
الأولى، أنّ المتعلّقات المالية بين شركات الطيران وهيئات الملاحة والمطارات الأوروبية (مثل رسوم المسارات الجوية Eurocontrol، أو تكاليف خدمات المناولة والهبوط) قادرة فعلاً على تعطيل استئناف التشغيل حتى لو تمّت تسوية ملفات السلامة، لأن أي شركة مفلسة أو مديونة لا تُمنح بسهولة حقوق استخدام البنى التحتية الجوية.
الثانية، أنّ هذه المتعلقات، وفق ما تظهره الوثائق الأوروبية المتاحة للرأي العام، لا تمثّل السبب المعلن لإدراج العراق على "قائمة السلامة"، بل تأتي – في أحسن الأحوال – كطبقة إضافية تعقّد طريق العودة، فوق طبقة الخلاف الأصلي حول مستوى الالتزام بمعايير السلامة.
فكل البيانات الرسمية من المفوضية وEASA تربط الحظر بـ"نواقص السلامة" و"ضعف الإشراف التنظيمي"، من دون أي إشارة صريحة إلى "فواتير غير مدفوعة".
كما أجرت الشركة وسلطة الطيران المدني سلسلة لقاءات مع ممثلي EASA وIATA، وتحدّثت تقارير عن إنجاز أكثر من 70 في المئة من "برنامج الإجراءات التصحيحية" المطلوب لاستيفاء معايير السلامة.
في الموازاة، تشهد الأجواء
هذا الوضع يترجم خسائر اقتصادية مباشرة: حرمان الناقل الوطني من عائدات خطوط طويلة المدى ذات مردود عال، وإجبار المسافرين العراقيين على استخدام شركات ثالثة للوصول إلى أوروبا، مع ما يعنيه ذلك من خروج العملة الصعبة، وتراجع القدرة التنافسية للقطاع الجوي العراقي عموماً.
استمرار إدراج العراق على "قائمة السلامة" الأوروبية منذ 2015، مع إضافة "فلاي بغداد" في 2023 وتجديد الحظر في 2025، لا يبدو تفصيلاً تقنياً يمكن تجاوزه بخطاب سياسي أو بتسوية مالية محدودة.
فهو يرسل إلى السوق العالمية إشارة واضحة بأن منظومة الطيران في العراق – بما تشمل من تشريعات ورقابة وثقافة سلامة – ما زالت دون السقف المطلوب في واحدة من أكثر البيئات التنظيمية تشدداً في العالم.
من زاوية أخرى، يضع هذا الحظر الحكومة أمام اختبار مزدوج: هل ستنجح في تحويل الحديث عن "خارطة طريق مالية" إلى برنامج موحّد لإصلاح المنظومة ككل، يجمع بين تحديث الاسطول، وتأهيل الموارد البشرية، واستكمال التشريعات، وتسوية الديون، وإعادة بناء الثقة مع الشركاء الدوليين؟


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.