في شمال وشرق سوريا، تتداخل العمليات العسكرية مع ترتيبات سياسية وأمنية انتقالية حساسة.
وحدات من الجيش السوري الجديد توسع وجودها في بعض الجبهات، فيما تعيد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تموضعها في أخرى، ضمن مشهد لا تزال ملامحه النهائية غير محسومة.
في هذا السياق، تتقدم ثلاثة ملفات إلى الواجهة بوصفها عناصر حاكمة للمرحلة المقبلة: المعابر الحدودية، وحقول النفط والغاز، ومنظومة الاحتجاز التي تشمل السجون والمخيمات.
وأي خلل في إدارة هذه الملفات ينعكس مباشرة على أمن الجوار، ولا سيما العراق، حيث يمكن أن تتحول ساعات من الارتباك إلى فرصة عملية أمام خلايا تنظيم داعش لاستعادة المبادرة عبر التسلل أو إعادة تنظيم الات.
الاتفاق المعلن بين الحكومة السورية وقسد لوقف إطلاق النار وفتح مسار اندماج تدريجي يقدَّم كخطوة لإعادة ترتيب إدارة الشمال الشرقي من البلاد.
جوهر الاتفاق يدور حول إعادة توحيد الأطر العسكرية والإدارية قدر الإمكان، وتثبيت صورة واضحة للجهة التي تتحمل مسؤولية المعابر والموارد والسجون في تلك المناطق.
هذا المسار يشمل، نظريا، إدماج جزء من التشكيلات المسلحة ضمن هيكلية الدولة، وإعادة تعريف دور المجالس المحلية والإدارات المدنية التي نشأت خلال سنوات النزاع.
مع ذلك، القيمة الفعلية للاتفاق لا تقاس بصياغته السياسية فقط، بل بمدى قدرته على تقليص مناطق الفراغ حول السجون والمخيمات التي تضم متهمين بالتطرف وعائلات مقاتلي داعش.
هذه المنشآت ليست مرافق خدمية عادية، بل نقاط ضغط أمنية، وتاريخ المنطقة خلال السنوات الماضية أثبت أن أي ضعف في السيطرة عليها كان كفيلا بإطلاق موجات هروب محدودة أو واسعة، استثمرها التنظيم لاحقا في إعادة نشر عناصره أو تعزيز قدرته على التجنيد.
ولهذا، يبقى معيار نجاح التفاهم بين دمشق وقسد مرتبطا بمدى إحكام إدارة هذه البؤر الحساسة، أكثر من ارتباطه بالتصريحات السياسية المتبادلة.
ضمن هذا المشهد، كشفت مصادر مطلعة لـ"بغداد اليوم"، عن رصد انتشار قوات نخبة أمريكية في الجزء الغربي من محيط مخيم الهول، ضمن إجراءات احترازية تهدف إلى التعامل السريع مع أي طارئ محتمل.
المخيم، الواقع جنوب شرق الحسكة تحت سيطرة قسد، يضم آلاف العائلات المرتبطة بتنظيم داعش من جنسيات متعددة، وهو ما يجعله نقطة استقطاب أمنية وإنسانية في آن واحد.
المصادر أوضحت أن التحركات الأمريكية ترتبط بقراءة مفادها أن أي اضطراب في إدارة المخيم أو المناطق المحيطة به يمكن أن يفتح الباب أمام محاولات هروب فردية أو جماعية تنعكس على مجمل مسار مكافحة التنظيم في سوريا والعراق.
في الوقت ذاته، شددت المصادر على أن الحديث المتداول خلال الساعات الـ٢٤ الماضية عن "هروب جماعي" من مخيم الهول غير دقيق، وأن ما جرى هو رفع مستوى الحذر بعد تزايد الشائعات وتسجيل احتفالات محدودة داخل المخيم على خلفية تغيّر موازين السيطرة في بعض الجبهات السورية.
وت المعطيات إلى انتشار واسع لقوات قسد في محيط المخيم ونقاط الارتكاز الرئيسة، مع إجراءات إضافية للتفتيش والمراقبة.
بهذا المعنى، لا يعكس الانتشار الأمريكي حالة انهيار أمني، بقدر ما يعكس تقديرا بضرورة الاستعداد المسبق لأي سيناريو، استنادا إلى تجارب سابقة أثبتت أن التأخر في التعامل مع حوادث محدودة داخل المخيمات أو السجون أنتج لاحقا كلفا أكبر على مستوى الإقليم.
القلق العراقي لا يرتبط بمخيم الهول فقط، بل يتجاوز ذلك إلى الأخبار التي تحدثت خلال الأيام الأخيرة عن فتح بعض السجون أو اقتحامها في مناطق النزاع وإطلاق متهمين بالتطرف.
ورغم أن دقة هذه الأنباء لم تُحسم بشكل نهائي حتى الآن، إلا أن مجرد تداولها تحول إلى عامل ضغط على صانع القرار في بغداد.
في ملفات من هذا النوع، لا يشترط أن تكون الرواية مكتملة حتى تنتج تهديدا؛ مجرد احتمال ارتخاء السيطرة على سجن يضم عناصر متشددة، يكفي لتفعيل ات تهريب واتصال تمتلك خبرة طويلة في استثمار الثغرات العابرة.
هذا القلق يعود إلى أن تنظيم داعش اعتمد تاريخيا على المزج بين أساليب الهروب من السجون وتفكيك منظومات الحراسة وبين الاستفادة من الفوضى العامة خلال المعارك.
لذلك، فإن تكرار قصص "فتح السجون" أو "اقتحامها" في بيئة إعلامية مضطربة لا يبقى ضمن دائرة الأخبار، بل يتحول إلى عامل يجب إدخاله في تقدير الموقف الأمني، حتى قبل التثبت من كل تفصيل على الأرض.
القيادي في منظمة بدر محمد البياتي قال لـ"بغداد اليوم" إن الأنباء المتداولة عن إطلاق "أعداد ليست قليلة" من المتهمين بالتطرف، بينهم قيادات مهمة في داعش ويحمل بعضهم جنسيات متعددة، تفرض على السلطات العراقية العليا إجراءات عاجلة على ثلاثة مسارات متوازية.
المسار الأول يتصل بتأمين الشريط الحدودي مع سوريا بشكل أوسع، عبر تعزيز انتشار القوات وإعادة تقييم نقاط المراقبة، مع التركيز على المناطق التي شهدت سابقا حالات تسلل أو نشاطا لات التهريب.
المسار الثاني، بحسب البياتي، يتمثل في إعلان حالة استنفار على طول الحدود الممتدة لأكثر من 600 كيلومتر، من خلال إعادة توزيع القطعات العسكرية ورفع الجهوزية في القطاعات المعرضة أكثر من غيرها لأي خرق.
أما المسار الثالث، فيتعلق بتنشيط الجهد الاستخباري في القرى والمدن المحاذية للحدود، ومراجعة قواعد البيانات المتعلقة بالعائدين أو المشتبه بهم، بما يقلل من فرص إعادة بناء خلايا نائمة داخل العمق العراقي.
من هذا المنظور، لا يُنظر إلى داعش كخطر بعيد، بل كاحتمال قابل للتحقق إذا تداخلت ثلاثة عناصر في وقت واحد: اضطراب إدارة السجون، وارتباك في خطوط السيطرة داخل سوريا، واستمرار عمل مسارات التهريب عبر الحدود من دون ضبط كاف.
ولهذا تشدد بغداد على أن الوقاية على مستوى الحدود والداخل أقل كلفة من التعامل مع واقع انتقالي مفروض تتراجع فيه القدرة على السيطرة على حركة الأفراد.
في هذا السياق، تتعامل بغداد مع ملف العائلات العراقية المتبقية في مخيم الهول بمنطق تقليل نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى مشكلة أكبر.
وسائل إعلام نقلت عن مصدر أمني عراقي رفيع المستوى، أن العراق يستعد لإعادة جميع العائلات العراقية


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.