مع بداية عام 2026 دخل ملف الوجود الأجنبي في العراق منعطفًا جديدًا بعد إعلان قيادة العمليات المشتركة انسحاب قوات التحالف الدولي من قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار وتسليمها بالكامل إلى القوات
هذه الرؤية تنسجم مع تصريحات قادة في العمليات المشتركة تحدّثوا عن أنّ الانسحاب من عين الأسد يجري وفق تفاهمات أُنجزت قبل أشهر وأنّ المرحلة المقبلة ستعتمد على مذكّرات تفاهم واتفاقات دفاعية منفصلة مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بحيث يتحوّل الحضور الغربي من قوّات مقاتلة داخل قاعدة عراقية إلى شراكات تدريب وتسليح ومعلومات الأمر الذي يسمح لبغداد بأن تقول إنّها أنهت شكل التحالف الدولي من دون أن تقطع العلاقات العسكرية مع العواصم المؤثّرة في ملف التسليح والدعم الفنّي.
في هذا الإطار تبدو القاعدة حلقة أخيرة في سلسلة إعادة توزيع مواقع هذه القوات داخل العراق وخارجه بما يتيح للحكومة التحدّث عن استعادة جزء من الهيبة المفقودة في النقاش الداخلي حول السيادة وحق إدارة الملف الأمني على الأرض العراقية.
في المقابل تبرز قراءة مخالفة تعتبر أنّ انسحاب التحالف من عين الأسد لا يعني بالضرورة انحسار الدور الأمريكي في سماء العراق بل إعادة تموضع أكثر من كونه انسحابًا فعليًا.
أصحاب هذا الرأي يستحضرون سلسلة من التحذيرات الرسمية التي وجّهتها بغداد خلال العام الماضي إلى واشنطن رفضًا لاستخدام الأجواء
في ضوء هذا العجز تصبح قاعدة عين الأسد تفصيلًا في مشهد أوسع، إذ إنّ قرار تحريك الطائرات المسيّرة أو الصواريخ البعيدة المدى لا يمرّ عبر غرفة عمليات عراقية خالصة ما دام العراق يعتمد في جزء من مراقبته العالية على شراكات خارجية وعلى بنية لم تُبنَ بالكامل بإرادة وطنية مستقلة.
لذلك يبدو لدى هذا التيار أنّ خروج التحالف من القاعدة لن يُغلق السماء فعلًا أمام إسرائيل بل سيخفّف فقط من حجم المخاطر التي تتعرّض لها القوات الأمريكية داخل العراق إذا انفجر الصراع في لحظة معيّنة على نحو واسع بين واشنطن وطهران أو بين إسرائيل وإيران.
مع هذا الفهم يُقال إنّ واشنطن تحقّق عبر هذا الترتيب مكسبًا مزدوجًا، فهي تقلّل من فرص استهداف جنودها بصواريخ الفصائل
هذه الصورة تجعل الجدل حول القاعدة مترابطًا مع سؤال أوسع عن طبيعة العلاقة العسكرية بين بغداد وواشنطن، فهل يسير المسار فعلًا نحو شراكة متوازنة تحكمها اتفاقات واضحة تحدّد سقف الوجود الأجنبي وأدواره وحدود استخدام الأجواء والقدرات التقنية، أم أنّ الأمر لا يتعدّى إعادة توزيع لمواضع الجنود والعتاد بطريقة تقلّل الخسائر المحتملة على الطرف الأمريكي وتبقي المجال مفتوحًا أمام خياراته الإستراتيجية في المنطقة.
القيمة الفعلية لما جرى في عين الأسد ستتحدّد بما ستفعله بغداد بعد هذه الخطوة أكثر ممّا جرى الإعلان عنه حتى الآن.
فإذا تحوّلت مذكّرات التفاهم العسكرية مع الولايات المتحدة والدول الأخرى إلى إطار واضح يقيّد استخدام الأجواء
أمّا إذا بقيت السماء خارج قدرة السيطرة التقنية والقرار العملي وظلّ العراق مجرّد معبر تُدار فوقه الصراعات بين واشنطن وطهران وتستثمره إسرائيل في حسابات ضرب المنشآت الإيرانية، فإنّ الصورة المقابلة ستفرض نفسها وسيبدو ما جرى في الأنبار أقرب إلى إعادة ترتيب هادئة لمسرح القوات من كونه إعادة تعريف لعلاقة العراق بمسرح الصراع الإقليمي.
في هذه الحالة سيبقى النقاش حول السيادة معلّقًا بين إدارة القواعد على الأرض وبين سؤال أصعب يتعلّق بالقدرة على إدارة الأجواء، وعندها فقط سيتّضح ما إذا كان الخروج من عين الأسد بداية لمسار استقلال أوسع أم مجرّد فصل جديد في معادلة نفوذ معقّدة لم تُحسم بعد.


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.