قبل أن يحطّ وفد حماس في بغداد، كانت العاصمة قد تلقت فعلًا سلسلة من الإشارات والتحذيرات الإسرائيلية غير المباشرة، بعضها وصل عبر رسائل رسمية إلى مجلس الأمن يحمّل فيها الكيان المحتل الحكومة
هذا الخطاب يقدّم زيارة حماس بوصفها فعلًا سياسيًا اعتياديًا: عاصمة عربية تستقبل حركة فلسطينية تقاتل في غزة، تشرح روايتها للأحداث، وتبحث عن منافذ الدعم والتضامن.
لكن خلف هذه الصورة “الطبيعية”، يتحرّك ملف آخر أكثر تعقيدًا، يخصّ طبيعة حضور حماس في العراق منذ ما قبل هذه الزيارة، وطريقة قراءته في واشنطن وتل أبيب، وحدود قدرة بغداد الفعلية على ضبط هذا الحضور ضمن سقف “العلاقات السياسية” فقط.
فخلال عام 2024، تداولت وسائل إعلام عربية وأجنبية معلومات عن نيّة حماس فتح مكتب في بغداد، بل وذهب بعضها إلى الحديث عن نقل مكتبها السياسي من الدوحة إلى العاصمة
هنا بالضبط يصبح استحضار تجربة قطر ضروريًا لفهم حساسية الموضوع.
إسرائيل لم تتردّد في ضرب هدف لحماس داخل الدوحة، رغم أنّ قطر شريك أساسي في الوساطة بين تل أبيب والحركة، وتستضيف مكتبها السياسي منذ سنوات، وتعمل مع واشنطن في ملف التهدئة وتبادل الأسرى.
الضربة التي وقعت في 9 أيلول 2025 استهدفت مجمّعًا سكنيًا كان يضم أعضاءً من فريق التفاوض التابع لحماس وعائلاتهم، وأدّت إلى مقتل خمسة من كوادر الحركة وعنصر من الأمن القطري، قبل أن يتبيّن أنّ القيادات المستهدفة نجت من الاغتيال.
الأمم المتحدة وصفت الهجوم بأنّه انتهاك لسيادة قطر ولقواعد استخدام القوة، وحذّر خبراؤها من أنّ ضرب بلد يستضيف مفاوضات لوقف إطلاق النار يهدّد مستقبل الدبلوماسية في النزاعات المسلحة.
لكن الأهم من الإدانة بحد ذاتها، هو الرسالة العملية التي خرجت من الدوحة: إذا قرّرت إسرائيل أنّ وجود قيادة حماس في مكان معيّن يمثّل تهديدًا مباشرًا لمصالحها، فإنّ حدود الدولة المضيفة لا تشكّل ضمانة مطلقة لعدم الاستهداف.
في المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أنّ جزءًا مهمًا من الشارع العراقي، وقطاعًا واسعًا من القوى السياسية، ينظر إلى حماس من زاوية مختلفة تمامًا: حركة مقاومة تقاتل إسرائيل منذ عقود، وتخوض اليوم حربًا ضارية في غزة دفعت فيها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى، ودمّرت فيها أحياء بأكملها.
في هذا السياق، تصبح استضافتها في بغداد بالنسبة لهؤلاء تعبيرًا عن موقف أخلاقي وسياسي، أكثر منه مغامرة أمنية.
وحين يذكّر شاكر بحجم الكارثة في غزة، فهو يحاول ربط الموقف العراقي من زيارة الوفد بسؤال أكبر: كيف يمكن لدولة عربية أن تعلن دعمها للفلسطينيين من دون أن تفتح قنوات مباشرة مع القوى التي تقاتل على الأرض؟ هذا المنطق، مهما اختلفت القراءات حوله، يعكس إدراكًا بأنّ “مركز الثقل” في القضية الفلسطينية اليوم لم يعد فقط في مقارّ منظمة التحرير أو السلطة، بل في القوى التي تحمل السلاح في غزة والضفة ولبنان.
في هذا السياق، تبدو معادلة بغداد شديدة الحساسية.
من جهة، هناك قوى سياسية شيعية تعتبر العلاقة مع حماس امتدادًا طبيعيًا لعلاقتها مع طهران، وترى أنّ قطع هذه العلاقة أو تجميدها استجابة لتهديدات إسرائيلية أو أمريكية يعني التخلّي عن “أحد أعمدة محور المقاومة”.
ومن جهة أخرى، هناك حكومة تحاول أن تقدّم نفسها بوصفها شريكًا موثوقًا في مسار التفاهمات مع واشنطن، خصوصًا في ملفات السلاح المنفلت والدولار والطاقة، وتعلم أنّ أي خطوة تُقرأ على أنّها منح غطاء أوسع لحماس على الأرض
ما يزيد من تعقيد الصورة أنّ إسرائيل نفسها لا تُبدي استعدادًا لمنح حماس أي مساحة آمنة طويلة الأمد، حتى في الدول التي تلعب دور الوسيط، مثل قطر.
تصريحات مسؤولين إسرائيليين في الأسابيع الأخيرة ذهبت إلى
في النهاية، يمكن القول إنّ زيارة وفد حماس إلى بغداد، ولقاءه شخصيات مثل عادل عبد المهدي وغيره، لن تمرّ “مرور الكرام” في الحسابات الإسرائيلية والأمريكية، حتى لو بدت في الداخل حدثًا سياسيًا عاديًا يتكرّر في عواصم عربية عديدة.
الفارق أنّ العراق يعيش أصلًا في قلب ة نزاعات متداخلة: نفوذ إيراني، فصائل مسلّحة، وجود أمريكي حساس، وحدود ملتهبة مع سوريا وتركيا، وأثر مباشر لأي تصعيد في غزة أو لبنان أو إيران على أمنه الداخلي.
في هذا المشهد، يتحوّل كل تفصيل – من فتح مكتب لحماس في بغداد، إلى استقبال وفد رفيع، إلى تصريح مطمئن من مسؤول عراقي عن “عدم وجود فيتو” – إلى خيط إضافي في خارطة معقّدة ستُستخدم لاحقًا في تقييم موقع العراق داخل خريطة الحرب أو السلم في الإقليم.
ما إذا كان هذا الحضور سيبقى في حدود “العلاقات السياسية” كما يقول عصام شاكر، أم سيتحوّل مع الوقت إلى عنصر يُستدعى في لحظة توتّر كبرى لتبرير استهداف أو ضغط أو عقوبة، فهذا يتوقف على شيء واحد: قدرة بغداد الفعلية على الفصل بين دعمها المعلن للقضية الفلسطينية وبين عدم السماح بأن يتحوّل هذا الدعم إلى بوابة جديدة تجعلها، مرّة أخرى، أرضًا تُحسم عليها صراعات الآخرين.


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.