في ملف حصر السلاح بيد الدولة، لا تتصرف إيران بوصفها طرفا يرفع شعار التسليم ولا بوصفها طرفا يقود الرفض.
الموقف الذي يبدو باهتا على السطح هو في حقيقته محاولة لتقليل الظهور، لأن الظهور صار عبئا سياسيا يمكن أن يحول طهران إلى عنوان مباشر للضغط الأمريكي، ويضع الحكومة العراقية في زاوية محرجة أمام الداخل، ويمنح خصوم إيران داخل العراق فرصة لوضع كل الملف على أنه صراع سيادة مع “تدخل خارجي”.
لهذا تتقدم الواجهات العراقية، وتتراجع اللغة الإيرانية إلى الخلف، مع إبقاء الخيوط مفتوحة عبر قنوات سياسية وأمنية ونيابية.
المعادلة في بغداد تغيرت.
الفصائل لم تعد مجرد قوة ميدانية تحتاج غطاء من الخارج لكي تتكلم، بل صارت تمتلك تمثيلا سياسيا وامتدادات داخل مؤسسات، وأصبحت قادرة على التفاوض والمساومة من داخل الدولة لا من خارجها فقط.
وعندما يصعد الخط الفصائلي سياسيا، يصبح من مصلحة إيران أن تخفف حضورها العلني، لأن النفوذ يتحقق عبر النتائج لا عبر التصريحات.
المختص بالشؤون الإيرانية فراس إلياس يرى أنّ الصمت الصادر من طهران إزاء بيانات حصر السلاح في العراق لا يُقرأ بوصفه قبولًا نهائيًا بهذا المسار، بقدر ما يعكس مرحلة تمهّل ومراجعة دقيقة للواقع العراقي الجديد وتداعياته على موقع إيران في خريطة الإقليم.
فبحسب مقاربته، ما زالت إيران، من حيث المبدأ، ترفض أي مساس جوهري ببنية السلاح في العراق ولبنان، إدراكًا منها لما يمثّله هذا السلاح من ركيزة أساسية لدور ما يُسمّى بمحور المقاومة، وهي هواجس سبق أن عبّر عنها علي لاريجاني في أكثر من جولة وحوار في بغداد وبيروت، حين حذّر من أن نزع السلاح خارج معادلة تفاهمات شاملة سيعني عمليًا تقويض قدرة هذا المحور على المناورة والردع معًا.
ويضيف إلياس أنّ طهران تدرك، في المقابل، أنّ عليها مواءمة وضع حلفائها مع الاستحقاقات العسكرية والسياسية المستجدّة بعد حرب الإثني عشر يومًا، في ظل تصاعد الضغوط الأمريكية والإقليمية التي تسعى إلى تحجيم هؤلاء الحلفاء عبر مسارات متوازية: من تشديد العقوبات، إلى فتح ملف نزع السلاح، وصولًا إلى التلويح بالاستهداف العسكري المباشر.
لذلك تميل إيران إلى مقاربة تقوم على إنتاج تسوية عراقية خاصة لملف السلاح، تسوية تحافظ على البنية التحتية للفصائل، وتعيد تدوير وجودها داخل مؤسسات الدولة وأطرها الرسمية، بما يسمح بتجاوز “عاصفة ترامب” بأقلّ كلفة ممكنة، على أن يُعاد بحث التفاصيل لاحقًا عندما تتبدّل موازين القوة.
في خلفية هذا التوجّه، يلفت إلياس إلى أنّ صعود حلفاء طهران في الانتخابات الأخيرة، وتحوّل بعضهم إلى قوى تمتلك مواردها الاقتصادية وات نفوذها المستقلة، جعلهـم أقلّ خضوعًا للتأثير السياسي الإيراني المباشر، ما يضعهم أمام معادلة حادّة بين الحفاظ على وجودهم المهدَّد من قبل إدارة ترامب، وبين الاستجابة لاشتراطات إيران الإستراتيجية.
ولهذا تحديدًا، يَرجِّح أن تدفع طهران باتجاه خيار “دمج الفصائل” في المنظومة الرسمية، لا خيار “تفكيك الفصائل” الذي تعمل عليه واشنطن، بوصفه صيغة وسط تحفظ للفصائل جزءًا من قوّتها، ولإيران جزءًا من نفوذها.
ويرى إلياس أنّ المشكلة الإضافية أمام إيران تكمن في أنّ المشهد الإقليمي ما زال غير محسوم: فلا هي في موقع الضعف الذي يفرض عليها التراجع الكامل، ولا في موقع القوّة التي تخوّلها فرض شروطها بلا تنازلات.
لذلك قد تميل إلى القبول بحصرٍ جزئيّ لسلاح بعض التشكيلات، مع الإبقاء على أوراق أخرى خارج أي تسوية، تبعًا لدرجة المخاطر على أمنها القومي.
فطهران، كما يذكّر، تعي جيّدًا القيمة السياسية والعسكرية لسلاح الفصائل حين يتعلّق الأمر بالمواجهة مع الولايات المتحدة، وتخشى قبل كل شيء تحوّل الحدود العراقية إلى جبهة رخوة ومفتوحة في خاصرة إيران، في ضوء تجربة تاريخية مريرة مع الحروب والغزوات القادمة من الشرق والغرب، وهو ما يجعلها متمسّكة بفكرة حدود “محصّنة” بالسلاح، حتى وهي تناقش عناوين مثل حصره وتنظيمه داخل الدولة.
وفد الرافضين إلى إيران: ترتيب المواقف لا صناعة قرار جديد
ما ورد عن وصول وفد ي


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.