في لحظة تحوم فيها التوترات الإقليمية فوق المشهد العراقي، ويتصاعد الضغط على بغداد في ملفات متنوعة، مثل التوازنات السياسية الداخلية والتحديات الأمنية والضغوط الاقتصادية، خرج تصريح السفير الإيراني لدى بغداد، محمد كاظم آل صادق، مؤكداً استعداد طهران لـ”حماية النظام السياسي العراقي” إذا طُلب ذلك رسميًا، ما أثار موجة من التساؤلات السياسية والدبلوماسية داخل العراق وخارجه.
تصريحٌ يبدو بسيطًا على المستوى الظاهري، لكنه في عمقه يفتح بابًا واسعًا لفهم علاقة العراق بإيران، وللفرق بين النظام السياسي — أي الإطار الدستوري القانوني الذي يُنظّم الدولة — والمنظومة السياسية — أي ة القوى والأحزاب والأطر التي تُدير هذا النظام على الأرض.
هذا الفرق، في السياق العراقي، يُعد مفتاحًا لفهم سبب ردود الفعل الحادة التي أثارها هذا الكلام.
الخبير السياسي حسين الأسعد وصف تصريح السفير بأنه يفتح باب التأويل السياسي لسبب واضح: لأنه يوحي بوجود تهديد داخلي أو خارجي يستدعي تدخلًا غير عراقي، وهو ما يتعارض مع المفهوم الأساسي للسيادة الوطنية.
أي حديث من هذا النوع في دولة ذات سيادة، حتى لو كان ضمن أطر علاقة جوار، يُمكن أن يُفهم على أنه تدخل في الشأن الداخلي، لا سيما وأن الحساسية الطائفية والسياسية
وبيّن أن "العراق دولة ذات سيادة ومؤسسات دستورية، وأن أي حديث عن حماية النظام من طرف خارجية قُدّم على أنه استجابة لطلب رسمي يُعد إشكالياً من الناحية الدبلوماسية، لأنه يوحي بوجود تهديد داخلي أو خارجي يتطلب تدخلاً غير عراقي، وهو ما يتعارض مع الخطاب الرسمي الذي يؤكد قدرة الدولة على حماية نظامها السياسي عبر مؤسساتها الأمنية والدستورية".
وأضاف أن "مثل هذه التصريحات قد تُفسَّر داخلياً على أنها تدخل في الشأن العراقي، خاصة في ظل حساسية التوازنات السياسية والطائفية، وقد تُستثمر من أطراف مختلفة لتعزيز الانقسام أو التشكيك باستقلال القرار الوطني".
وتابع ان "العلاقات بين العراق وإيران علاقات جوار ومصالح مشتركة، لكنها يجب أن تُدار وفق أطر واضحة قائمة على الاحترام المتبادل وعدم التصريح بما يمس السيادة أو يُحرج الحكومة
وختم الخبير في الشؤون السياسية والاستراتيجية قوله أن "العراق ليس بحاجة إلى حماية نظامه من الخارج، بل إلى دعم سيادته واستقراره عبر التعاون الدبلوماسي والاقتصادي والأمني ضمن الأطر القانونية، وعلى جميع البعثات الدبلوماسية الالتزام بلغة حذرة تحترم خصوصية الوضع العراقي وتعقيداته الداخلية".
وبخلاف الدول التي تستدعي تهديدات خارجية محددة دعمًا عسكريًا أو دبلوماسيًا، فإن العراق اليوم ليس في حالة حرب تقليدية تستدعي حماية خارجية للنظام السياسي وفق قواعد السيادة الواضحة.
عندما نتحدث عن النظام السياسي، فإننا ن إلى الإطار الدستوري الذي أُقِرّ عام 2005، وهو الذي ينظّم شكل الدولة، الصلاحيات بين السلطات، وحقوق المواطنين، ويُفترض أنه يُمثل السيادة الوطنية والقانون الأعلى.
الدستور العراقي يؤسّس لدولة ذات سيادة، يقوم فيها البرلمان بانتخاب القيادة، وتُمارَس السلطة بشكل مؤسّس على الانتخابات والتداول السلمي للسلطة، رغم التحديات التطبيقية.
أما المنظومة السياسية، فترمز إلى ة القوى والأحزاب والتحالفات التي تتحكم فعليًا بآليات الحكم في العراق، بما في ذلك التحالفات الطائفية، التحالفات الخارجية، واللوبيات السياسية التي تحدد من يتولى المناصب الوزارية والمراكز القيادية.
هذا النمط من الحكم غالبًا ما يتجاوز بنية الدستور ويستند أكثر إلى اتفاقيات غير مكتوبة، محاصصات طائفية، وتوازنات حزبية.
بقاء شخصيات ومصالح في السلطة رغم ضعف الأداء أثبت أن المنظومة السياسية في العراق تتجاوز المؤسسات الدستورية لمصلحة مصالحها الذاتية.
لذلك، عندما يتحدث السفير عن “حماية النظام” فالمعنى في السياق العراقي قد يقترب أكثر من المنظومة السياسية التي تدير الدولة، وليس النظام السياسي نفسه، الذي من المفترض أن يكون محميًا عبر مؤسساته الدستورية وليس من قِبل قوى خارجية.
تصريح السفير الإيراني لم يأتِ في فراغ؛ بل جاء في لحظة دقيقة ذات دلالات متعددة:
العراق يشهد توترات سياسية متجددة، من مفاوضات تشكيل الحكومة إلى خلافات على الحقائب والمناصب، وحتى احتجاجات شعبية على الخدمات والفساد.
في مثل هذه اللحظات، أي تدخل خارجي يُصاغ بلغة “حماية النظام” يُمكن قراءته داخليًا كرسالة دعم للطرف الأقوى في المنظومة السياسية أو لحلفاء خارجيين داخل العراق.
ثانيًا: التوترات الإقليمية والسعي لإعادة رسم التقاطعات
التصريح جاء بينما تتصاعد المنافسة بين قوى إقليمية حول النفوذ في العراق، خصوصًا بين طهران وواشنطن وغيرها من الفاعلين.
وفي مثل هذا السياق، الحديث عن “حماية النظام” يمكن أن يُستثمر كأداة ضغط على القوى
منطق الدبلوماسية في المنطقة اليوم يعتمد على الإيحاء بالمواقف قبل الإعلان عنها رسميًا.
إعلان استعداد لحماية النظام يمكن أن يكون رسالة إلى النخب السياسية
إيران، من جهتها، لطالما سعت لتعزيز نفوذها عبر دعم ات حزبية وفصائل ذات استقلال نسبي، ما يُمكنها من الحفاظ على وجود مؤثر دون السيطرة الكاملة، ويجعل أي حديث عن “حماية” قابلاً للقراءات المتعددة.
ت الوقائع إلى أن الخطر الأكبر الذي يواجه النظام السياسي لا يأتي دائمًا من الخارج، بل من داخل المنظومة الحاكمة نفسها.
يرى المعارضون، والمجتمع المدني، وحتى بعض إشارات المرجعية، أن الممارسات القائمة داخل هذه المنظومة، والتي غالبًا ما تخدم مصالح فئات محددة على حساب المصلحة الوطنية العليا، تضعف قدرة الدولة على حماية نظامها السياسي عبر مؤسساتها الدستورية.
ويتعاظم هذا التهديد في ظل التدخل الخارجي وتمدد النفوذ الإقليمي، حيث تقوم بعض القوى بدعم أطراف سياسية على حساب أخرى، ما يؤدي إلى تفكيك التوازنات الداخلية وإضعاف الاستقرار الوطني.
هذا الواقع يجعل أي تهديد، داخليًا كان أم خارجيًا، أكثر حدة وتأثيرًا على النظام السياسي، ويؤكد أن حماية الدولة لنظامها السياسي تتطلب إصلاح المنظومة الحاكمة نفسها وتعزيز استقلال القرار الوطني بعيدًا عن الولاءات الخارجية والمصالح الجزئية.
تصريح السفير الإيراني ليس مجرد كلام عابر في الفضاء الدبلوماسي، بل هو مؤشر على التفاعلات المعقدة بين النظام السياسي العراقي، المنظومة السياسية، والضغوط الإقليمية والدولية.
في بلد ما زالت مؤسساته تتصارع لإثبات استقلاليتها، ويتنافس فيه اللاعبون المحليون لتثبيت مواقعهم، فإن أي حديث عن “حماية النظام” يمكن أن يشكّل مادة سياسية وتجاذبية إعلامية وقنبلة دبلوماسية.
ويبقى التحدي الأساسي اليوم هو قدرة العراق على حماية نظامه السياسي عبر مؤسساته الدستورية، بعيدًا عن الولاءات الخارجية، في زمن تتشابك فيه مصالح القوى الإقليمية.
ويظهر بوضوح أن تحديد مصير النظام السياسي لا يمكن أن يكون بيد أي دولة خارجية، بل يعتمد على إرادة العراقيين في تعزيز سيادتهم عبر مؤسسات الدولة وفصل النظام السياسي الدستوري عن المنظومة السياسية التي كثيرًا ما تخدم مصالحها الذاتية على حساب المصلحة الوطنية العليا.


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.