نائب في البرلمان العراقي ذهب أبعد من ذلك حين تحدّث عن مرور ما يقارب مئة شاحنة يوميًّا عبر سيمالكا، تتحرك من حقول النفط الواقعة تحت سلطة قسد إلى مصافي ومحطات داخل الإقليم، بما يعني أنّ العلاقة لم تعد مجرّد تهريب متقطع، بل منظومة إمداد مستمرة ترفد قسد بموارد مالية ثابتة، وتمنح الإقليم منفذًا إضافيًّا للنفط الخام خارج الأطر التقليدية لقطاع النفط العراقي الرسمي.
عندما يُضاف إلى هذا الخط النفطي المنتظم رتل الشاحنات ذات الطابع العسكري الذي دخل القامشلي ليلًا، يتضح أنّ المعبر والطرق المتفرّعة عنه يشكلان اليوم ة مزدوجة الوظيفة: مسارًا للنفط والمال من قسد باتجاه الإقليم، ومسارًا لدعم لوجستي وعسكري من داخل الإقليم باتجاه قسد، في علاقة تبادلية تُدار على أرض عراقية – اتحادية من حيث السيادة العامة، لكنّ مركز قرارها اليومي يتحرّك إلى حدّ كبير داخل دائرة حكومة الإقليم والقوى الفاعلة فيها.
على المستوى السياسي، تتقاطع المؤشرات على أنّ حكومة إقليم كردستان، بدرجات متفاوتة، تقف في موقع الداعم لقسد، وأنّ الاتحاد الوطني الكردستاني يميل إلى علاقة أوثق وأعمق مع القوى الكردية السورية، بحكم امتداداته التاريخية والفكرية وصلاته بحزب العمال الكردستاني، مقابل موقف أكثر توازنًا وحسابًا للخطوط الحمراء التركية لدى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يدير السلطة التنفيذية الأولى في أربيل.
هذا التوزّع الداخلي يعني أنّ ما يجري عبر معبر سيمالكا، وما يتحرك ليلًا إلى القامشلي، ليس نشاطًا اقتصاديًّا منفصلًا عن السياسة، بل انعكاس لاختيارات تتصل بالهوية الكردية العابرة للحدود، وبالنقاش حول من يمثّل "العنوان الكردي" الأوسع في الإقليم السوري – العراقي – التركي المتداخل.
من زاوية بغداد، يزيد هذا التعقيد من صعوبة بناء سياسة موحدة تجاه الملف السوري؛ فحين تتصرّف حكومة الإقليم، أو كتلة سياسية رئيسية فيه، بما يشبه سياسة خارجية خاصة تشتبك مع خرائط القوى في سوريا، يصبح على الحكومة الإتحادية أن تجيب عن سؤال صريح: هل يُسمح لوحدة اتحادية بأن تتحرك في صراع دولة مجاورة بهذا العمق، نفطًا وتسليحًا وإسنادًا، في الوقت الذي يعلن فيه الدستور أنّ رسم السياسة الخارجية والأمنية الإستراتيجية اختصاص اتحادي حصري؟ أم أنّ ضعف أدوات المركز، ورغبة القوى النافذة في تجنّب الصدام مع الإقليم، تركت مساحة واسعة لما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الموازية" التي تنطلق من أربيل والسليمانية نحو القامشلي وعين العرب والحسكة من دون غطاء واضح من بغداد؟
العراق، على مستوى الخطاب الرسمي، يكرّر في المحافل الدولية أنّه يدعم وحدة الأراضي السورية ويعترف بالحكومة القائمة في دمشق، ويطالب بعدم تحويل سوريا إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية.
لكنّ الوقائع التي تتكشف على الحدود الشمالية، من مرور صهاريج نفط لقسد نحو الإقليم إلى تحرّك رتل عسكري بأرقام أربيل ودهوك لدعم قسد في مواجهة الجيش السوري، ترسم صورة أخرى لدور جزء من المنظومة
هذا التناقض لا يبقى داخل دائرة التنظير القانوني، بل يخلق قابلية لإثارة الملف في أكثر من اتجاه: دمشق تستطيع أن تُدرج هذه التحركات في خانة "التدخل في الشأن السوري" إذا اختارت التصعيد السياسي، وأنقرة تراقب كل ما يعزز حضور قسد وحلفائها بوصفه تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وطهران تنظر إلى الشمال الشرقي بوصفه ساحة توازن إضافية في علاقتها المعقّدة مع واشنطن وموسكو وأنقرة ودمشق.
في وسط هذه الة، تبدو بغداد وكأنّها تقف في منطقة رمادية؛ لا تعلن دعمًا لقسد، ولا تمتلك القدرة أو القرار لفرض ضبط صارم على ما يخرج من الإقليم نحو مناطق سيطرة قسد، فتجد نفسها معرضة لأن تُحاسَب على أفعال لم تُصوَّت عليها في مجلس وزراء ولا في مجلس نواب، بل تشكّلت من تراكُم قرارات محلية وإقليمية داخلية.
جزء مهم من تفسير الصمت الاتحادي إزاء ما يجري عبر معبر سيمالكا، وما يخرج من الإقليم نحو مناطق نفوذ قسد، يعود إلى الإرث الثقيل لسياسات القوى الممسكة بالحكومة الإتحادية منذ عام 2011 في التعامل مع الملف السوري؛ إذ ت روايات سياسية وإعلامية متواترة إلى أنّ تلك القوى ت، بدرجات مختلفة، في دعم نظام بشار الأسد ماليا ولوجستيا وبالبشر، سواء عبر تسهيلات مصرفية وتجارية، أو عبر السماح بمرور مقاتلين وعتاد من الأراضي
عندما يُقرأ هذا المشهد على ضوء القلق القديم المتجدّد من السجون التي تحتجز فيها قسد آلاف العناصر من تنظيم داعش، بينهم عراقيون متورّطون في مجازر دامية داخل العراق، تتضح خطورة ربط أمن الحدود
في هذه الحالة، يصبح خط سيمالكا – أربيل – القامشلي أكثر من مجرّد معبر نفطي أو رتل دعم؛ يتحوّل إلى قناة من قنوات إعادة تشكيل موازين القوى حول أخطر ملف أمني عرفه العراق في العقدين الأخيرين، وهو ملف تنظيم داعش وخلاياه العائدة المحتملة.
وكلّما ازدادت درجة انخراط جزء من المنظومة
ما يكشفه رتل الشاحنات ذات الأرقام العائدة لأربيل ودهوك وهي تدخل القامشلي، مضافًا إلى خط النفط اليومي عبر سيمالكا، ليس مجرد ثغرة في مراقبة الحدود، بل صورة مكثّفة عن مأزق أوسع تعيشه الدولة
في ضوء ذلك، لا يعود السؤال مقتصرًا على توصيف ما إذا كان ما يجري "تهريبًا" أو "تجارة" أو "دعمًا عسكريًا"، بل يتجاوز نحو سؤال أشمل: هل يريد العراق أن يكون لاعبًا منخرطًا في إعادة تشكيل الخريطة السورية عبر منافذه ومعابره، أم أنّ مصلحته الإستراتيجية تفرض عليه أن يحصّن حدوده من أن تكون جزءًا من خطوط الإمداد في حروب الآخرين؟ وما لم تُصَغ إجابة واضحة، على شكل سياسة موحدة تُلزم المركز والإقليم معًا، سيظلّ كل رتل ليلي يعبر من أربيل ودهوك نحو القامشلي، وكل صهريج نفط يتحرك من حقول قسد نحو مصافي الإقليم، سببًا إضافيًا لتآكل مفهوم الدولة الإتحادية على الورق، لصالح سياسات متعدّدة تتحرك من داخل الحدود نفسها، ولكّنها تكتب أدوارًا متباينة للعراق في صراعات لم يحسم بعد إن كان يريد أن يكون طرفًا فيها أم ضحية لارتداداتها.


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.