منذ أكثر من عقدين، يتغيّر كل شيء في سماء العراق إلا كلمة واحدة تكاد تلازمها: الحظر.
فبعد أن تخلّص البلد من مناطق الحظر الجوي العسكرية التي فرضت قبل 2003، وجد نفسه أمام حظر من نوع آخر، تقوده هذه المرّة لوائح السلامة الأوروبية التي ما زالت تمنع الطيران العراقي من عبور أجواء الاتحاد الأوروبي، حتى آخر تحديث رسمي في 8 كانون الأول 2025 الذي اطلعت عليه "بغداد اليوم"، وضم "الخطوط الجوية العراقية" و"فلاي بغداد" في الملحق (A) لقائمة الشركات المحظورة.
هذا الواقع يطرح سؤالاً سياسياً واقتصادياً في آن واحد: لماذا لم ينجح العراق، رغم تحسّن الأمن وتحديث جزء من أسطوله الجوي، في استعادة حقّ التحليق في واحدة من أهمّ مناطق العالم الجوية؟
بعد حرب الخليج عام 1991، عاش العراق تحت نظام مناطق حظر طيران في الشمال والجنوب، تولّت القوات الامريكية والبريطانية فرضه حتى الغزو عام 2003، في إطار ما كان يُقدَّم حينها بوصفه "حماية للأقليات" و"ردعاً للنظام".
في تلك المرحلة، كان الحظر عسكرياً صرفاً، يستهدف سلاح الجو العراقي ويمنع طائراته من التحليق فوق أجزاء واسعة من أراضيه.
مع سقوط النظام السابق، انتقلت السيطرة الفعلية على الأجواء إلى قوات التحالف التي أدارت حركة الطيران المدني والعسكري سنوات طويلة، قبل أن تُسلَّم تدريجياً إلى سلطة الطيران المدني العراقية.
لكن صورة "السماء الخطرة" لم تتبدّد سريعاً؛ فصعود تنظيم داعش بعد 2014، والهجمات الصاروخية على قواعد ومطارات، دفعت سلطات طيران في دول عدّة إلى إصدار تحذيرات أو قيود على التحليق فوق العراق على ارتفاعات معيّنة، بدافع المخاوف الأمنية من المضادات الأرضية والصواريخ.
بهذا المعنى، ورث العراق سمعة أجواء مضطربة أمنياً.
غير أنّ الحظر الأوروبي الحالي لا يتعلق بهذه المخاوف بقدر ما يرتبط بملف آخر أكثر تعقيداً: منظومة السلامة الجوية.
في عام 2005، أقرّ الاتحاد الأوروبي ما يُعرف بـ"قائمة السلامة الجوية" (EU Air Safety List)، وهي لائحة بالناقلين الجويين من خارج الاتحاد الذين لا يستوفون معايير السلامة الدولية، فيُحظر عليهم تشغيل رحلات إلى مطارات الاتحاد أو داخل مجاله الجوي.
تستند اللائحة إلى تنظيمات أوروبية، أبرزها اللائحة (EC) رقم 474/2006، وتُحدَّث بشكل دوري من خلال ملاحق تُنشر في الجريدة الرسمية للاتحاد.
في 9 كانون الأول 2015، أعلنت المفوضية الأوروبية عن تحديث جديد للقائمة تضمّن إدراج "الخطوط الجوية العراقية" كأحد الناقلين المحظورين، إلى جانب شركة Blue Wing من سورينام، استناداً إلى "مخاوف متعلقة بالسلامة" تم توثيقها خلال تقييمات فنية مشتركة بين المفوضية ووكالة سلامة الطيران الأوروبية EASA.
مصادر مختصة وتقارير لاحقة أوضحت أنّ جوهر الإشكال لا يتعلّق بحادث معيّن، بل بمنظومة كاملة من المعايير التي تشمل: إدارة الصيانة، تدريب الطواقم، إجراءات إدارة المخاطر، والأهم قدرة سلطة الطيران المدني العراقية على ممارسة دور رقابي متكامل على الناقلين المسجّلين لديها.
وبحسب تقارير إعلامية متخصّصة، فإن التدقيق الأوروبي خلُص إلى أنّ العراق "لم يحقّق بعد مستوى مقبولاً من الإشراف على السلامة" وفق معايير منظمة الطيران المدني الدولي ICAO، ما برّر إبقاء الحظر وتجديده في التحديثات المتلاحقة.
منذ ذلك التاريخ، تعيش "الخطوط الجوية العراقية" وضعاً مزدوجاً: فهي من أقدم شركات المنطقة وتواصل توسيع ة وجهاتها في الشرق الأوسط وآسيا، لكنها محرومة من واحد من أهمّ الأسواق، ويُنظر إليها في الخارج باعتبارها شركة تعمل تحت "راية دولة مدرجة على قائمة السلامة الأوروبية".
في 30 تشرين الثاني 2023، أعلنت المفوضية الأوروبية تحديثاً جديداً لقائمة السلامة أضاف هذه المرّة شر


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.