ينص الدستور العراقي على أن الانتخابات النيابية تمثل حجر الزاوية في إعادة إنتاج الشرعية السياسية بشكل دوري، وأن تأجيلها أو تعطيلها لا يُفترض أن يقع إلا لظروف استثنائية قصوى.
منذ 2005 وحتى الآن، لم يشهد العراق تأجيلًا بفعل تهديد خارجي مباشر، بل جاءت التعثرات غالبًا من الداخل، سواء عبر الطعون القانونية أو الأزمات السياسية.
غير أن الدورة الحالية تأتي في ظل سياق مختلف: انسحاب التيار الصدري، اتساع رقعة العزوف الشعبي، وبيئة إقليمية متوترة تصل إلى حد التهديد الإسرائيلي بضرب فصائل عراقية فضلاً عن إيران.
وفق تقديرات سياسية-قانونية متقاطعة، فإن هذه العناصر تجعل من الانتخابات المقبلة استحقاقا دستوريا محاصرا بالمتغيرات الأمنية والإقليمية.
عزيز أضاف أن "أي ضربة على إيران ستؤدي إلى حرب جديدة في المنطقة، وهو برأيي الأمر الوحيد الذي يمكن أن يساهم في تأجيل الانتخابات إلى أجل غير معلوم".
هذه المقاربة تسلط الضوء على مركزية الأمن في تقرير مصير الاستحقاقات الدستورية.
وفق مقاربات بحثية مستقلة، فإن أي انهيار أمني يضع شرعية العملية على المحك، ويجعل التمديد أو التأجيل أمرًا واقعًا حتى لو تعارض مع النصوص القانونية.
المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بدورها شددت على التزامها بالمواعيد، إذ قال رئيس الفريق الإعلامي للمفوضية عماد جميل إن "انتخابات مجلس النواب ستُجرى في موعدها المحدد دون أي تأجيل أو تأخير، ولا يوجد أي معرقل أو مسبب قد يدفع نحو التأجيل".
هذا الموقف، بحسب تقديرات مؤسساتية، يهدف إلى ترسيخ الثقة بالعملية ومنع أي فراغ قد يفتح المجال أمام التشكيك.
كما أن قانون الانتخابات نفسه يمثل جزءًا من الأزمة.
فقد شهد تعديلات متكررة منذ 2003، أبرزها بعد احتجاجات تشرين 2019 التي دفعت نحو نظام الدوائر المتعددة لتعزيز تمثيل المستقلين.
غير أن القانون بصيغته الحالية ما يزال محل جدل واسع، وسط دعوات لتعديله مجددًا للحد من تأثير المال السياسي واستغلال موارد الدولة في الحملات.
ت الدراسات التطبيقية إلى أن استمرار هذه الثغرات يعمّق أزمة الثقة بالعملية الانتخابية ويُفاقم من عزوف الناخبين.
رغم كل هذه التحديات، فإن القوى السياسية الممسكة بالسلطة ترفض فكرة التأجيل.
قادة الإطار التنسيقي وصفوا أي دعوة للتأجيل بأنها "خيانة للعملية الديمقراطية"، فيما حذّر زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي من "خطر جسيم" إذا جرى تأجيل الانتخابات.
وفق تقديرات سياسية حديثة، ينبع هذا الإصرار من إدراك أن أي تأجيل قد يفتح فراغًا سياسيًا يصعب ضبطه، خصوصًا مع المقاطعة الصدرية والعزوف المدني.
يتضح أن المشهد الانتخابي العراقي يدار اليوم عبر توازن دقيق بين النصوص الدستورية والوقائع السياسية والإقليمية.
فبينما يصرّ تحالف الفتح ودولة القانون والمفوضية على أن الانتخابات ستُجرى في موعدها، يرى باحثون وأكاديميون أن أي تصعيد أمني أو قرار سياسي مفاجئ قد يفتح الباب أمام سيناريو التأجيل.
ومع دخول التحليلات الاستراتيجية التي تتحدث عن خيار حكومة الطوارئ في حال قصف إيران أو الفصائل، يصبح الاستحقاق الانتخابي رهينًا بالمتغيرات الإقليمية أكثر من أي وقت مضى.
في الحالتين، تبقى الانتخابات المقبلة امتحانًا عسيرًا لصلابة النظام السياسي وقدرته على الصمود أمام الضغوط الداخلية والخارجية معًا.


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.