في وقت يعيش فيه الشرق الأوسط مخاضاً عسيراً، وسط مشهد إقليمي متفجر يتطاير شرره العابر للحدود من غزة المحاصرة وصولاً إلى جبهات لبنان المفتوحة والتحولات الدراماتيكية المتسارعة في العمق السوري، تبرز في العاصمة بغداد ضرورة قصوى لتبني "قراءة واقعية" تتجاوز القشور والسطحية السياسية المعتادة.
هذا الحراك يهدف بالدرجة الأولى إلى تجنيب العراق انزلاقاً نحو تداعيات "خطيرة وكبيرة" قد تعصف بكيان الدولة ومكتسباتها الأمنية.
ويشدد العزاوي على أن ملف "تسليم السلاح وتوحيد البندقية" لم يعد ترفاً سياسياً أو ورقة للمناورة في بازار تشكيل الحكومة، بل تحول إلى "ضرورة وطنية قصوى" ومصلحة عليا لا تقبل التأجيل،
الهدف بحسب الرؤية، هو تحصين الدولة من سيناريوهات الانهيار الاقتصادي الوشيك بفعل العقوبات الدولية، أو الانهيار الأمني الناتج عن استدراج العراق ليكون ساحة بديلة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إنها معركة "تثبيت الأركان" في زمن الرمال المتحركة، حيث تسعى بغداد لإثبات أهليتها كدولة مؤسسات تمتلك قرار السلم والحرب دون منازع.
وفي هذا السياق، يكشف العزاوي أن تحذيرات رئيس الوزراء محمد شياع السوداني المتكررة لم تأتِ من فراغ؛ فقد نبّه السوداني وفي أكثر من مناسبة مفصلية، إلى أن "تسليم السلاح بكل صنوفه وأحجامه للجهات الرسمية الحصرية" هو المطلب الوطني الأوحد، والضمانة اليتيمة التي تكفل للعراق عبوراً آمناً وسط حقول الألغام و"الحرائق" المشتعلة على حدوده.
ويشدد العزاوي على أن هذه الخطوة "الجراحية" هي الكفيلة وحدها بتجنيب البلاد تداعيات كارثية قد لا تحمد عقباها، محذراً من أن استمرار حالة "تعدد مراكز القرار العسكري" أو وجود جزر أمنية معزولة عن جسد الدولة، سيجعل من العراق "ساحة مكشوفة" للاستقطابات الدولية، ويحول دون قدرة الحكومة على حماية سيادتها ومواطنيها من دفع ضريبة صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.
وفي غوصٍ استراتيجي داخل المسارات المعقدة التي تسلكها القوى المسلحة في الوقت الراهن، يشخص العزاوي تحولاً جوهرياً في "عقيدة التحرك" لدى هذه القوى؛ إذ ي إلى أن "أغلب الفصائل
هذا التحول لم يكن مجرد تبديل للأدوار، بل هو ما يصفه العزاوي بـ "المسار الأسلم والملاذ الأخير" للدولة
ووفقا لهذا المفهوم، فإن هذا الاندماج السياسي يمثل محاولة لإعادة صياغة الهوية من "قوى موازية" إلى "شركاء في القرار"، وهو ما يمنح الدولة مرونة أكبر في المناورة الخارجية.
ويذهب العزاوي إلى أبعد من ذلك بتشديده على حتمية أن يظل "قرار السلم والحرب حكراً سيادياً ومحصوراً في الغرف المظلمة للدولة الرسمية"، بعيداً عن الاجتهادات الجانبية التي قد تجر البلاد إلى مواجهات غير محسومة.
ويرى أن خيار انضواء ما تبقى من الأجنحة المسلحة تحت لواء المنظومة الأمنية والعسكرية الرسمية (الدمج والسيطرة) هو "السبيل الوحيد والمنفذ المتبقي" لإغلاق كافة الثغرات السيادية التي قد تنفذ منها القوى الدولية والإقليمية لفرض إراداتها أو تحويل الجغرافيا
ويحذر العزاوي بلهجة حاسمة من أن أي "حياد" عن هذا المسار التنظيمي أو محاولة للتمسك بـ"ازدواجية السلاح"، لن تؤدي إلا إلى جعل العراق "لقمة صائغة وهشة" في فم الأزمات العابرة للحدود، مما يهدد بتفكيك هيبة المؤسسة العسكرية وإضعاف الموقف التفاوضي لبغداد أمام المجتمع الدولي.
وأوضح أن "العقوبات الاقتصادية الدولية" باتت تلوح في الأفق كـ "الورقة الأكثر إيلاماً وفتكاً"، والتي قد تُشهرها القوى العظمى بوجه العراق في حال فشلت الحكومة في إثبات سيطرتها المطلقة على ملف السلاح.
هذه الورقة، بحسب العزاوي، ليست مجرد تهديد دبلوماسي، بل هي "مشرط" يستهدف الشريان الأبهر للاقتصاد العراقي الذي يعتمد كلياً على التدفقات المالية بالدولار والتبادل التجاري العالمي.
ويؤكد الباحث السياسي أن "ركون الفصائل لرأي الدولة وانضوائها تحت مظلة القرار السيادي" يمثل اليوم الضمانة السيادية والوحيدة لمنع المجتمع الدولي من تفعيل "خيار العقوبات" الشاملة أو الجزئية.
ونبّه العزاوي إلى أن بنية الاقتصاد العراقي "الهشة والريعية" لا تمتلك أي قدرة على امتصاص صدمات أو تداعيات إضافية؛ فالعراق يعيش في "محيط جيوسياسي متفجر"، وأي تطور للأحداث يخرج عن سيطرة الدولة نتيجة "تفرّد" أي جهة بقرارات ارتجالية تمس الأمن الخارجي، سيؤدي حتماً إلى "زلزال مالي" يحرق الأخضر واليابس.
إن الاستقرار الاقتصادي بات رهيناً بـ"وحدة البندقية"، وأي خروج عن هذا المسار يعني المغامرة بقوت العراقيين ووضع مستقبل البلاد المالي في مواجهة مباشرة مع القوى المتحكمة بمسارات الاقتصاد العالمي.
في المحصلة، يضع الحراك الذي يقوده السوداني، مدعوماً بقراءات الخبراء والمحللين، الدولة
ويبدو أن الرهان الحالي لا يتوقف عند حدود "نزع السلاح"، بل يمتد لصياغة "هوية وطنية جديدة" تكون فيها الفصائل جزءاً من الحل لا سبباً في الأزمة، عبر استثمار عقلية "تقدير الأخطار" التي تولدت لدى قادتها بعد سنوات من العمل الميداني والسياسي.
إن الانتقال من لغة "المقاومة" إلى لغة "الاستثمار والسيادة" مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، يمثل المخرج الوحيد لغلق الثغرات أمام "مشرط" القوى الدولية التي تتربص بالعراق عبر بوابة العقوبات.
إن الأيام المقبلة، وتحديداً مع انطلاق "الحوار الشامل" المرتقب بعد تشكيل الحكومة، ستكشف مدى قدرة بغداد على تحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، ينهي حالة "ازدواجية السلطة" ويمنح العراق "درعاً سيادياً" يحميه من نيران الإقليم المشتعلة، ويؤمن مستقبله كشريك اقتصادي رصين بعيداً عن كونه مجرد ساحة لتصادم المصالح.


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.