أعاد حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن منحه "الضوء الأخضر" لرئيس وزراء الكيان المحتل بنيامين نتنياهو لاستهداف القدرات الباليستية الإيرانية فتح ملفّ حسّاس في بغداد يتصل مباشرة بوضع الفصائل المسلحة الحليفة لطهران داخل العراق.
فالخطاب الذي ركّز ظاهرياً على البرنامج الصاروخي والنووي الإيراني داخل أراضي الجمهورية الإسلامية، أثار تساؤلات بشأن ما إذا كانت ة الصواريخ المنتشرة في الإقليم، ومنها ما يقال إنّه في حيازة فصائل عراقية، يمكن أن تُدرج ضمن بنك الأهداف في أيّ مواجهة مقبلة، أم أنّ العراق سيبقى خارج دائرة الضربات المباشرة رغم حدّة التصعيد الكلامي.
تصريحات ترامب الأخيرة لم تأتِ في فراغ.
رجل البيت الأبيض تحدّث بوضوح عن استعداده لدعم ضربات جديدة تستهدف القدرات الباليستية الإيرانية إذا استأنفت طهران تطوير برامجها الهجومية، ملوّحاً بأنّ الجولة المقبلة قد تكون أشد من الضربة الجوية الواسعة التي أصابت منشآت نووية وعسكرية في حزيران 2025.
الخطاب أعاد تأكيد رؤية راسخة في دوائر القرار الأمريكية والإسرائيلية ترى أنّ البرنامج الصاروخي الإيراني يمثّل ركناً أساسياً في معادلة الردع الإقليمي، وأنّ منع طهران من إعادة بناء ما دُمّر في حزيران هدف معلن يتقدّم على عناوين أخرى.
رغم ذلك، يظلّ التركيز العلني منصبّاً على الأهداف الواقعة داخل الحدود الإيرانية: مواقع الإنتاج والتخزين، منصّات الإطلاق، مراكز القيادة والسيطرة.
هذا المستوى من الاستهداف يمكن تقديمه للرأي العام الغربي بوصفه امتداداً لـ"الدفاع الوقائي" ضدّ برنامج عسكري لدولة خصم، بينما يختلف المشهد بالكامل عندما يتعلق الأمر بأراضٍ لدولة ترتبط مع واشنطن باتفاق إطار إستراتيجي مثل العراق، وتُعلن حكومته أنّها تعمل على حصر السلاح بيد الدولة.
الجدل العراقي لا ينطلق من فراغ.
ترسّخ خلال السنوات الماضية انطباع واسع بأنّ الفصائل الحليفة لإيران تمتلك قدرات صاروخية متنوّعة، تشمل صواريخ قصيرة المدى ومنظومات إطلاق تقليدية، إلى جانب طائرات مسيّرة هجومية استُخدمت في استهداف قواعد عسكرية للقوّات الأمريكية في العراق وسوريا، وأحياناً أهداف داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت مسمّى "المقاومة الإسلامية في العراق".
أمّا الحديث عن وجود صواريخ باليستية في حيازة بعض الفصائل فيبقى أكثر حساسية وتعقيداً.
تقارير عسكرية غربية وإسرائيلية سبق أن تحدّثت عن نقل صواريخ باليستية قصيرة المدى من إيران إلى فصائل عراقية منذ عام 2018، في سياق توصيف يركّز على استراتيجية "نشر" الصواريخ حول إسرائيل والقواعد الأمريكية.
بعض هذه التقارير أشار إلى طرازات قريبة من المنظومات التي استخدمتها إيران في ضرب قواعد أمريكية بعد اغتيال قاسم سليماني، مع افتراض أنّ جزءاً محدوداً من تلك القدرات بات متموضعاً على الأرض
هذه الصورة تجعل جزءاً من القدرة الباليستية الإيرانية متصلاً عملياً بخريطة السلاح في العراق.
لكنّ معظم القراءات الاستخبارية ترى أنّ هذا السلاح، إن وجد، يصنَّف ضمن خانة "السلاح الاستراتيجي"، وأنّ قرار استخدامه يبقى في يد طهران لا في يد القيادات الميدانية للفصائل، خلافاً للصواريخ القصيرة والطائرات المسيّرة التي تُستخدم في الاشتباكات المحدودة وفق اعتبارات محلّية وإقليمية متغيّرة.
استهداف منشأة إيرانية يمكن تبريره قانونياً وسياسياً في واشنطن وتل أبيب تحت عناوين منع التهديد وقطع الطريق على إعادة بناء برنامج عسكري خطير.
أمّا استهداف موقع أو مخزن سلاح داخل العراق فيعني عملياً ضرب هدف داخل دولة حليفة على الورق، لديها حكومة معلنة، وبرلمان، وقوى سياسية ت في رسم القرار الإقليمي، وعدد كبير من هذه القوى على صلة مباشرة بالفصائل التي تتحدّث عنها تلك التقارير.
هذا الفرق يجعل كلّ نقلة عسكرية محتملة في العراق ذات كلفة سياسية مضاعفة.
هنا يبرز كلام عضو الإطار التنسيقي عبد الصمد سالار بوصفه تلخيصاً لهذه المعادلة.
إذ قال في حديث لـ"بغداد اليوم":
وأكّد أنّ "واشنطن تدرك أنّ أيّ استهداف للفصائل ستكون له أثمان وارتدادات خطيرة على مصالحها الاقتصادية، كما أنّ البيت الأبيض لا يرغب بفتح جبهة جديدة في العراق لما تحمله من تداعيات خطيرة"، ماً إلى أنّ "العديد من الفصائل تفاعلت مع ملفّ حصر السلاح، وهناك تفاهمات قائمة مع الحكومة، ما يجعل أيّ تصعيد خياراً مكلفاً للجميع".
هذا التوصيف يعكس قناعة لدى دوائر قريبة من الفصائل بأنّ واشنطن، رغم لهجة التهديد، ما زالت حريصة على إبقاء أدوات الضغط في حدود العقوبات والرسائل السياسية، والضغط غير المباشر على الحكومة، أكثر من رغبتها في الذهاب إلى استهداف مباشر لبنى عسكرية تابعة للفصائل داخل العراق.
في موازاة ذلك، انتقل الحديث عن الضغوط الإسرائيلية من مستوى التسريبات إلى العلن.
وزير الخارجية العراقي أعلن مؤخراً أنّ بغداد تلقّت رسائل تحمل لهجة تحذير من الجانب الإسرائيلي عبر قنوات دبلوماسية، من دون أن يفصح عن مضمونها التفصيلي.
هذا الاعتراف الرسمي منح الملفّ بعداً جديداً، إذ لم يعد الحديث مقتصراً على ما يتداوله سياسيون في الكواليس عن قلق إسرائيلي من "الساحة العراقية".
التصريح قرأه كثيرون بوصفه مؤشّراً على رغبة تل أبيب في أن تتعامل الحكومة
كلّ هذه العناصر تقود إلى جوهر النقاش: استهداف الفصائل داخل العراق لن يكون عملاً عسكرياً محدوداً يمكن احتواء آثاره بسهولة.
أيّ ضربة جوّية على مخزن سلاح أو منصّة إطلاق ستُقرأ داخلياً بوصفها اعتداءً على السيادة، وستمنح الفصائل مبرّراً سياسياً وشعبياً لرفع مستوى الردّ على المصالح الأمريكية، سواء في القواعد العسكرية أو في المشاريع الاقتصادية وات النقل والطاقة.
هذا السيناريو يفسّر إشارة سالار إلى "الأثمان والارتدادات الخطيرة على مصالح" الولايات المتحدة.
فالصراع لم يعد محصوراً بملفّ عسكري تقني، بل امتدّ إلى مسارح الاقتصاد والطاقة، في وقت تعتمد فيه واشنطن على استقرار نسبي في العراق لضمان استمرار تدفّق النفط والتعاون الأمني، وللحفاظ على ما تبقّى من ترتيباتها في المنطقة بعد سنوات طويلة من الحروب والتدخّلات.
في المقابل، تحاول بعض الفصائل تقديم صورة مغايرة عن حضورها عبر التفاعل مع ملفّ حصر السلاح وتخفيف الهجمات على القواعد الأمريكية، والظهور بمظهر الشريك في ترتيبات الدولة لا الطرف الخارج عليها.
سالار ي إلى "تفاهمات قائمة مع الحكومة"، ويقدّم هذا المسار باعتباره جزءاً من ة أمان تقلّل احتمالات إدراج الفصائل في بنك الأهداف المباشرة في أيّ جولة تصعيد جديدة.
يبقى السؤال معلّقاً حول مدى شمول "الضوء الأخضر" الأمريكي للصواريخ الموجودة خارج إيران، ومنها ما يُقال إنّه في حيازة فصائل عراقية.
حسابات الردع تجعل كلّ قدرة صاروخية مرتبطة بإيران جزءاً من منظومة واحدة في النظرة الإسرائيلية والأمريكية، لكنّ حسابات الميدان تمنح الجغرافيا وزناً حاسماً.
الضربة داخل إيران تُقدَّم في خانة مواجهة خصم مباشر، بينما الضربة داخل العراق تعني عملياً إدخال هذا البلد في قلب معركة لا يريدها معظم الفاعلين المحليين والإقليميين الآن.
في ضوء ذلك، يبدو أنّ مسار الأحداث يتّجه إلى معادلة وسطية غير مضمونة الاستقرار: واشنطن وتل أبيب تضغطان على طهران عبر استهداف قدراتها داخل حدودها، وعبر العقوبات ودعم خصومها، مع استخدام ورقة العراق كورقة ضغط سياسي ودبلوماسي لا ساحة ضرب مباشر حتى إشعار آخر؛ في المقابل، تراهن الفصائل على أنّ ضبط إيقاعها داخل العراق، وتثبيت حضورها ضمن أطر الدولة، كفيلان بتقليل احتمالات إدراجها في بنك الأهداف، ولو أنّ هذا الرهان يبقى معلّقاً على قرارات تُتّخذ بعيداً عن بغداد أيضاً.
في النهاية، تبدو الصواريخ الإيرانية، سواء تمركزت في عمق الأراضي الإيرانية أو ظهرت على شكل قدرات موزّعة في العراق وساحات أخرى، جزءاً من معادلة أوسع تتعلّق بتوازن القوى في المنطقة، وبكيفية إدارة الصراع بين واشنطن وطهران والكيان المحتل.
أمّا بغداد، فتجد نفسها مجدّداً أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على التوازن الهشّ داخل حدودها، مع مراقبة كلّ إشارة تصدر من واشنطن أو تل أبيب أو طهران، لأنّ أيّ خطأ في الحساب قد يحوّل "الضوء الأخضر" من رسالة عابرة في خطاب سياسي إلى مسار تصعيدي يمرّ فوق الأجواء


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.