"سيتم تشكيل فصائل جديدة إذا ما سلّمت الفصائل الحالية سـلاحها للدولة"، بهذه الجملة الصادمة، يضع حسين الكناني، بوصفه مقربا من الفصائل، إصبعه على عصب الملف الذي يتقدم كل الملفات في لحظة تشكيل حكومة جديدة تريد أن تدخل المشهد بوصفها سلطة قرار لا سلطة تسويات، لأن التحذير من “ولادة” لا يخص اسما أو عنوانا يمكن استبداله، بل يخص بيئة كاملة اعتادت أن تعيد إنتاج القوة كلما شعرت أن الدولة تحاول نقل السـ.ـلاح من خانة التوازن إلى خانة الاحتكار، فالقضية هنا لا تتعلق بسـ.ـلاح يسلّم وينتهي، بل بوظيفة تتجدد ما دامت مصادر المال والغطاء ومسارات الحركة داخل الإدارة والاقتصاد والسياسة قائمة، وما دام تعريف التهديد لا يصدر حصرا من مؤسسات الدولة أو يسير بالتوازي معها، ولهذا تصبح فكرة التسليم اختبارا لبنية الحكم ذاتها قبل أن تكون خطوة أمنية، ويصبح السؤال الحقيقي ليس هل تتجرأ الحكومة على فتح الملف، بل هل تستطيع إغلاق شروط إعادة الإنتاج التي تجعل كل إغلاق ناقص بداية لنسخة جديدة.
في الحسابات الواقعية، تبدو عبارة الكناني أقرب إلى رسالة داخلية موجهة إلى طاولة تشكيل الحكومة، لأنها تقول بصراحة إن أي محاولة لحصر السـ.ـلاح إذا جاءت كإجراء فوقي أو كاتفاق سياسي محدود لا يمس الجذور، فإن النتيجة قد تكون انتقال البنية إلى شكل أخف وأكثر سيولة وأقل قابلية للضبط، حيث تتحول الدولة من موقع الإغلاق إلى موقع المطاردة، وتنتقل المواجهة من تنظيمات معروفة إلى ات تعمل بواجهات متعددة وببصمة أضعف وبقدرة أكبر على الإنكار، وهو انتقال لا يرهق المؤسسة الأمنية وحدها، بل يربك الاقتصاد والاستثمار ويزيد منسوب القلق المجتمعي، لأن الخطر حين يصبح غير قابل للتوقع يتحول إلى ضغط دائم يلتهم الثقة ويجعل الحكومة تدفع ثمن قرار لم يكتمل.
تزامن خطاب الكناني مع خطاب آخر يخرج من بيئة الفصـ.ـائل نفسها ويقدم رواية مختلفة عن الملف، يكشف أن الحديث عن “موقف الفصـ.ـائل” بوصفه كتلة واحدة بات أقل إقناعا، لأن اختلاف اللغة يعكس اختلافا في قراءة التوقيت وفي تقدير الكلفة وفي ترتيب الأولويات، فهناك من يتكلم بمنطق التحذير من تفكيك البنية ويقرأ أن التسليم إذا تم بلا ضمانات سيعني خسارة نفوذ متراكم وفتح الباب على فراغ قد تملؤه مجاميع أصغر وأشد اندفاعا، وهناك من يحاول إبقاء نافذة “المرونة” مفتوحة لأنه يدرك أن الاصطدام الكامل مع مشروع الحصر يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية ويضيّق مساحات الحركة داخل الدولة وخارجها، وبين هذين المسارين يظهر خوف ثالث لا يقال علنا كثيرا، خوف من أن المعركة إذا خرجت عن السيطرة قد لا تنتهي بين الدولة والفصـ.ـائل فقط، بل قد تمتد داخل بيئة الفصـ.ـائل نفسها عندما يبدأ التنافس على من يمثل “الخط” ومن يملك حق الفعل ومن يقرر سقف التصعيد.
ويضيف المصدر أن سـ.ـلاح الفصـ.ـائل لم يستخدم ضد الشعب، وأن الحديث عن أن تسليم السـ.ـلاح سيقود إلى بروز فصـ.ـائل أخرى يعكس وجود أجندات لدى البعض، مؤكدا أن موقف الفصـ.ـائل وطني وهي مع حقوق الشعب ومع الأمن والاستقرار، ومشددا على أن الفصـ.ـائل جزء من هذا الشعب وإذا ما انتفت أي نقاط تشكل خطرا على مصلحة البلاد فإن موقفها سيكون واضحا وحاسما، مبينا أن تشكيل الفصـ.ـائل لم يكن أجندة سياسية أو مغامرة عابرة بل قام على ثوابت وفكر تعزز بتضحيات كبيرة.
ما تقوله رواية المصدر، وما يوحي به تحذير الكناني، يرسمان صورتين لكلمة واحدة، فالدولة حين تتحدث عن التسليم تقصد إغلاقا قابلا للقياس يترجم بسـ.ـلاح واحد وقرار واحد وسلسلة واحدة للأمر، بينما جزء من بيئة الفصـ.ـائل يتعامل مع التسليم بوصفه انتقالا مشروطا لا يلغي الوظيفة بل يعيد ضبطها وفق تصور أن التهديد لم ينته وأن الضغوط الخارجية قد تعود وأن الوجود الأجنبي يمثل عاملا حاسما في تحديد التوقيت، وعندما تتعايش لغتان لكلمة واحدة داخل نظام سياسي واحد، يصبح الباب مفتوحا لفكرة الالتفاف عبر واجهات وعناوين ظل، لا لأن الجميع يريد ذلك بالضرورة، بل لأن البنية حين تتعرض للضغط تبحث عن مسارات تحافظ بها على نفسها من دون أن ترفع الكلفة إلى مستوى الانفجار.
الحديث عن ولادة فصـ.ـائل جديدة لا يبدو صعبا من حيث الإمكانية في بلد تملك فيه الات خبرة التجنيد والتمويل والتحرك وإدارة الواجهات، كما أن التجربة
إذا تشكلت فصـ.ـائل جديدة، فإنها غالبا لن تقوم على دعم واحد ظاهر يمكن تسميته بسهولة، بل على تداخل دعم ي داخل بيئة التنظيم نفسها عبر كوادر وخبرة تشغيلية وإمكانيات تراكمت خلال سنوات، ودعم مالي عبر مسارات اقتصادية تضمن الاستمرارية بعيدا عن الانكشاف، ودعم سياسي صامت يمنح الغطاء ويمنع القطيعة مع مؤسسات الدولة أو يقلل من حدتها، لأن الفصـ.ـائل في العراق لا تعيش بالسـ.ـلاح وحده بل بالصلة مع السياسة والاقتصاد والإدارة، ولهذا يكون السؤال داخل الغرفة ليس من يؤسس، بل من يغطي ومن يملك مصلحة في إبقاء ورقة ضغط جديدة إذا تحولت فكرة الحصر إلى برنامج تنفيذي فعلي أو إذا تغيرت توازنات الداخل والخارج بما يهدد المكتسبات.
أخطر ما في هذا السيناريو أن الدولة قد تبدو ظاهريا أنها حققت الحصر إذا استلمت سـ.ـلاحا أو فرضت ترتيبات، لكنها عمليا قد تواجه خصما أخف وأكثر تعقيدا لا يحمل العلامات المعروفة نفسها ولا يخضع للضبط عبر اتفاقات سياسية واضحة، وعندها ترتفع كلفة المعلومات والاستخبار وتزداد مساحة الإنكار وتتكرر حوادث الفاعل غير المعروف، ويتحول الاقتصاد إلى ساحة ضغط صامت لأن المستثمرين لا يخافون من الخطر وحده بل من عدم القدرة على توقعه، كما يتضاعف الضغط الخارجي على الحكومة لأنها ستبدو أمام الخارج وكأنها خسرت السيطرة بعد إعلان “الحصر”، بينما يتجه الداخل إلى ارتباك أشد لأن الخلاف داخل بيئة الفصـ.ـائل قد يتحول من خلاف خطاب إلى خلاف بنية وتنافس على الجمهور وعلى الشرعية وعلى من يمثل القرار، وهو تنافس إذا دخلته حسابات الردع والثأر والسيطرة على الجغرافيا قد ينعكس على السلم الأهلي وعلى شكل الدولة نفسها.
هذا كله يضع الحكومة المقبلة أمام اختبار لا يمكن تزيينه، لأن الحديث عن التسليم إذا لم يترافق مع إغلاق شروط إعادة الإنتاج من المال إلى الواجهة إلى النفوذ داخل الإدارة، فإنه قد ينتج نسخة جديدة من المشكلة بدل أن ينهيها، بينما تفادي الولادة الجديدة يتطلب أن يتحول الحصر من شعار تفاوض إلى منظومة ضبط متدرجة تمنع انتقال السـ.ـلاح من تنظيم إلى ة ومن عنوان إلى ظل، وتمنع أن يصبح “التسليم” مجرد إعادة تموضع، لأن اللحظة ليست لحظة بيانات بل لحظة قرار، وأي تسوية لا تحسم سؤال من يملك القرار ستبقي الباب مفتوحا لكي تتحول الجملة الصادمة من تحذير إلى حقيقة يومية.


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.