أخبار وتقارير

التمويل يقابله نزع سلاح الفصائل.. واشنطن تشدد قواعد اللعبة مع بغداد لإعادة هندسة الدولة

التمويل يقابله نزع سلاح الفصائل.. واشنطن تشدد قواعد اللعبة مع بغداد لإعادة هندسة الدولة

شارك المقال

منذ عام 2003 وحتى اليوم تحوّل ملف الدعم العسكري الأمريكي للعراق من بند فني في وثائق التعاون الأمني إلى مؤشر مركزي لفهم شكل العلاقة بين بغداد وواشنطن وحدود التوازن بين مؤسسات الدولة والقوى المسلحة شبه الرسمية، إذ انتقل هذا الدعم من مرحلة إعادة بناء الجيش على أنقاض المؤسسة السابقة، إلى مرحلة الشراكة المباشرة في الحرب على تنظيم داعش، ثم إلى صيغة جديدة تربط استمرار التمويل والتجهيز والتدريب باتخاذ إجراءات ملموسة لضبط السلاح واحتكار استخدام القوة بواسطة مؤسسات الدولة، وهي الصيغة التي تعكسها مسودة قانون الدفاع الأمريكي لعام 2026 من خلال ربط المساعدات الأمنية والعسكرية للعراق بمعالجة ملف الفصائل المسلحة والتلويح بتجميد جزء كبير من التمويل، في سياق يصفه الخبير العسكري اللواء جواد الدهلكي بأنه تحول واضح في طريقة تعامل واشنطن مع الملف الأمني العراقي ولحظة اختبار جدية لمدى قدرة الدولة على إدارة هذا الملف المعقد.

هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن المسار الذي حكم العلاقة الأمنية بين الطرفين طوال العقدين الماضيين، ولا عن البنية الداخلية التي نشأت خلالها تشكيلات مسلحة متعددة المرجعيات، بعضها أُدرج قانونيًا ضمن مؤسسات الدولة وبعضها احتفظ بارتباطات خارجية ونفوذ سياسي واجتماعي متشابك، ما جعل من أدوات الدعم العسكري الأمريكية عاملاً مؤثرًا في إعادة توزيع مراكز القوة داخل العراق وفي رسم شكل التفاعل بين بغداد والفاعلين الإقليميين والدوليين في الساحة العراقية.

بعد الغزو وسقوط النظام السابق اتخذت سلطة الاحتلال قرار حل الجيش والأجهزة الأمنية، لتبدأ عملية إعادة بناء شاملة لمؤسسات القوة في الدولة العراقية اعتمادًا على برامج تمويل وتدريب وتسليح أمريكية واسعة، استهدفت تشكيل جيش وشرطة اتحادية وقوات خاصة جديدة تقريبًا من الصفر، في بيئة أمنية مضطربة وتحديات داخلية متراكمة، حيث تم إنشاء وحدات بعقيدة تنظيمية مختلفة، وإدخال منظومات تسليح واتصال حديثة، وربط جزء مهم من مسار البناء بوجود المستشارين العسكريين الأمريكيين داخل مفاصل التدريب والتخطيط، في الوقت الذي جرى فيه تطوير قنوات تعاون ميداني مع قوات البيشمركة في إقليم كردستان لمواجهة تهديدات أمنية محددة، مع بقاء هذا التعاون خاضعًا لوضع الإقليم الدستوري وطبيعة التفاهمات بين بغداد وأربيل.

خلال هذه المرحلة لم يكن الحشد الشعبي قد ظهر بعد كفاعل منظم، ولم يكن ملف الفصائل جزءًا من الهندسة الرسمية للمؤسسة الأمنية، لكن قواعد الاعتماد على الدعم الخارجي في التسليح والتأهيل والصيانة بدأت تتكرس، بينما كانت المؤسسات العراقية الناشئة تواجه مشكلات بنيوية في الإدارة والتمويل والحوكمة، وتفتقر إلى قاعدة صناعية عسكرية أو قدرة على إنتاج بدائل محلية للتجهيزات المعقدة، الأمر الذي جعل استمرار العلاقة مع واشنطن في المجال العسكري عنصرًا حاسمًا في بقاء جزء مهم من منظومة الأمن العاملة.

عند اكتمال انسحاب القوات القتالية الأمريكية نهاية عام 2011 قدم الخطاب السياسي الداخلي ما جرى على أنه انتقال إلى وضع أمني أكثر استقلالًا، غير أن الواقع الميداني أظهر أن المؤسسات العسكرية والأمنية ما زالت في طور إعادة التشكل، وتعاني من ضعف في منظومات القيادة والسيطرة والدعم اللوجستي والاستخباري، ومن تسييس واسع للقرار الأمني وتدخلات حزبية وطائفية، ومع تصاعد التوترات الإقليمية والداخلية ظهرت فجوات هذه المنظومة بوضوح مع اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من المحافظات الغربية والشمالية في 2014 وانهيار وحدات كاملة من الجيش والشرطة، الأمر الذي كشف حدود قدرة الدولة على حماية أراضيها من دون دعم خارجي فعال.

رد الفعل الأمريكي كان العودة عبر إطار التحالف الدولي ضد داعش، حيث أعيد تشغيل برامج الدعم والتدريب والتجهيز ولكن تحت عنوان محدد هو دعم القوات العراقية في مواجهة التنظيم، مع استخدام صناديق تمويل متخصصة وتشكيل مسارات سريعة لتسليم المعدات والتسليح، والتركيز على وحدات يعتبرها الجانب الأمريكي أكثر قدرة على الاستجابة لمتطلبات القتال المنظم مثل جهاز مكافحة الإرهاب والشرطة الاتحادية وعدد من فرق الجيش، إلى جانب قوات البيشمركة، بينما تشكل في الداخل الحشد الشعبي بوصفه إطارًا جامعًا لآلاف المقاتلين الذين استجابوا لفتوى "الجهاد الكفائي" وملأوا الفراغ الذي خلفه الانهيار الأول للقوات النظامية في بعض المناطق، ما أضاف عنصرًا جديدًا إلى معادلة القوة على الأرض.

في سياق الحرب على داعش، دخلت قوات البيشمركة في برامج التدريب والتجهيز التي يديرها التحالف الدولي بوصفها قوة منظمة لها قيادة وهيكلية واضحة، ومعترف بها ضمن الإطار العام للمنظومة الأمنية العراقية، وإن عبر قنوات خاصة بحكومة الإقليم أو بالتنسيق معها، وهو ما منحها موقعًا ثابتًا في تصور واشنطن عن "الشركاء المحليين" الذين يمكن الاعتماد عليهم في العمليات ضد التنظيم.

في المقابل، كان الحشد الشعبي ينتقل من وضع الاستجابة الطارئة إلى وضع المؤسسة المعترف بها قانونيًا، بعد إقرار قانونه وربط تمويله بالموازنة العامة واعتباره جزءًا من المنظومة الأمنية، إلا أن هذا الاعتراف لم يغير موقف الولايات المتحدة من عدد من فصائله التي ترى فيها امتدادًا مباشرًا لإيران، وبعضها مدرج على لوائح عقوبات أو خاضع لإجراءات تقييدية أمريكية، ما جعل برامج الدعم الأمريكية تتركز على الجيش والقوات الخاصة والشرطة الاتحادية والبيشمركة وبعض التشكيلات المحلية التي خضعت لآليات تدقيق، مع استمرار استبعاد الحشد بشكله المؤسسي من برامج التسليح والتدريب المباشر رغم حضوره الميداني في معارك التحرير.

نتيجة ذلك تشكلت منظومة أمنية مزدوجة من زاوية الدعم الخارجي، جزء منها يندرج في مسار تعاون مؤسسي واضح مع واشنطن ويستفيد من برامج متواصلة في التدريب والتجهيز والتطوير، وجزء آخر يحظى بشرعية قانونية وتمويل داخلي وتأثير سياسي ومجتمعي واسع، لكنه خارج دائرة الشراكة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة، ويُذكر في تقاريرها وأدبياتها ضمن إطار "القوى الوكيلة" لإيران، وهو توصيف انعكس لاحقًا في نصوص تشريعية واضحة داخل الكونغرس.

إعلان إنهاء "الوجود القتالي" للتحالف في العراق والتحول إلى دور استشاري لم يوقف برامج التعاون العسكري، لكنه غيّر زاوية النظر الأمريكية إلى ما يجري داخل العراق، إذ لم يعد داعش وحده محور التهديد في تقديرات المؤسسات الأمنية والتشريعية الأمريكية، بل أضيف إليه ملف الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران التي نفذت هجمات متكررة على قواعد تضم قوات أمريكية وعلى مصالح اقتصادية، ما أنتج ضغطًا سياسيًا وإعلاميًا داخل واشنطن باتجاه ربط استمرار الدعم للعراق بمدى التزام حكومته بالحد من نفوذ تلك الفصائل والسيطرة على نشاطاتها.

على هذا الأساس بدأت تظهر تعديلات على قوانين الدفاع والمساعدات الخارجية تشترط على السلطة التنفيذية تقديم تقارير دورية إلى الكونغرس عن طبيعة الإجراءات التي تتخذها بغداد لحصر السلاح بيد الدولة والتحقيق في الهجمات ضد القوات الأمريكية ومحاسبة المسؤولين عنها، مع نصوص تستثني كيانات بعينها من التمويل أو تدعو إلى تصنيف فصائل عراقية على قوائم الإرهاب، ما عكس انتقالًا من مقاربة ترى العراق "شريكًا يحتاج إلى الدعم في مواجهة تنظيم إرهابي" إلى مقاربة ترى العراق أيضًا بوصفه ساحة اختبار لتوازن النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، وأن استمرار المساعدات دون شروط قد يؤدي إلى تقوية بنية سياسية وأمنية ذات صلة بمحور منافس.

في هذا الإطار تبرز مسودة قانون الدفاع الأمريكي لعام 2026 بوصفها خطوة إضافية في اتجاه استخدام الدعم العسكري كأداة ضغط محددة، إذ تنص على ربط استمرار تقديم المساعدات للقوات الأمنية العراقية باتخاذ "خطوات حقيقية" لمعالجة ملف الفصائل المسلحة، وتلوّح بتجميد ما يقارب 75% من التمويل في حال عدم تقديم وزارة الدفاع الأمريكية تقارير للكونغرس تؤكد أن الحكومة العراقية تعمل على تقليص القدرات العملياتية للفصائل المرتبطة بإيران ودمجها أو إعادة تنظيمها ضمن مؤسسات الدولة ونزع سلاحها ومحاسبة الجهات المتورطة في أعمال ضد القوات الأمريكية أو في أنشطة خارج التسلسل القيادي الرسمي.

الخبير في الشأن العسكري والاستراتيجي اللواء جواد الدهلكي يصف هذه الصيغة بأنها تحول واضح في طريقة إدارة واشنطن للملف الأمني في العراق، موضحًا في حديثه لـ"بغداد اليوم" أن الأمر لم يعد مجرد تقييم عام لأداء القوات العراقية، بل استخدام مباشر لأداة التمويل لإعادة ترتيب معادلة السلاح داخل البلد، حيث يقول: "ما ورد في مسودة قانون الدفاع الأمريكي لعام 2026 بشأن ربط استمرار تقديم الدعم إلى القوات الأمنية العراقية باتخاذ خطوات حقيقية لمعالجة ملف الفصائل المسلحة، وتلويحها بتجميد ما يقارب 75% من التمويل، يمثل تحولاً واضحاً في آلية تعامل واشنطن مع الملف الأمني في العراق، ويعكس استخدام الدعم العسكري كأداة ضغط سياسية تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة على السلاح".

وبيّن أن "الربط الأمريكي بين الدعم ودمج الفصائل ونزع سلاحها يضع الحكومة العراقية أمام استحقاقات صعبة، لأن الملف لا يرتبط بقرار إداري فقط، بل بتوازنات داخلية حساسة، ومصالح قوى نافذة تمتلك حضوراً سياسياً واجتماعياً وأمنياً على الأرض".
مضيفاً أن "الانعكاسات الأمنية لهذا القرار ستكون كبيرة إذا لم يتم التعامل معه بحكمة، وتقليص الدعم قد يترك فجوات في قدرات بعض صنوف القوات العراقية، ويؤثر على عمليات مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد الخلايا المتبقية من تنظيم داعش في عدد من المناطق".

وتابع أن "التداعيات السياسية لا تقل خطورة، إذ قد يؤدي الضغط الخارجي بهذا الشكل إلى تصعيد توتر العلاقة بين الحكومة وبعض الفصائل، وربما نشوء استقطاب داخلي يزيد من هشاشة الوضع السياسي إذا لم تُدار المرحلة بتوافق وطني واضح، وقرار بهذا

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.