أخبار وتقارير

اقتصاد الظل

اقتصاد الظل

شارك المقال

لم يعد المزارع العراقي يخسر موسمه الزراعي فقط، بل يخسر مهنته وتاريخه وبيئته الريفية.
ومع كل موسم جديد، تتكرر النتيجة ذاتها: أسواق تُغرق بمحاصيل مستوردة تشكل اليوم ما يقرب من 70% من منتجات السوق، وأسعار تهبط خلال يوم واحد بنسبة قد تصل إلى 30% نتيجة الإغراق، ومعابر غير قانونية تفتح أبوابها على مصراعيها أمام بضائع لا تمر بالدولة بل تمر بالدولة الموازية.

توجد على حدود العراق الشرقية والشمالية معابر غير رسمية تتحكم فيها جهات نافذة، خارج إدارات الدولة.
هذه المعابر:

تستورد محاصيل زراعية دون فحص صحي أو تعرفة جمركية (0 جمرك).

تدخل كميات مضاعفة لا يمكن للأسواق

تطلق موجة إغراق تُسقط أسعار الطماطم والبطاطا والحمضيات والبقوليات إلى مستويات لا تغطي كلفة البذور والماء والوقود، ما يؤدي إلى ترك ما بين 30% و35% من المحاصيل دون حصاد في بعض المواسم.

ويمثل هذا ما سماه التميمي “نصف عوامل تهديد الزراعة”، لكنه عملياً هو العامل الأكبر الذي يفكك الاقتصاد الزراعي العراقي ويحوّله إلى اقتصاد استيراد دائم، مع ارتفاع الفارق بين كلفة الإنتاج المحلي والمستورد إلى 3 أضعاف.

رفع كلفة الإنتاج المحلي من خلال تعطيل دعم البذور والأسمدة والمبيدات.

شراء المحصول من الفلاح بأسعار متدنية لا تغطي نصف كلفته.

إجبار المزارع على ترك الأرض أو بيعها أو تحويلها إلى مشاريع سكنية.

وبحسب مختصين، فإن هذه السياسة "تخدم مصالح المستوردين الكبار" الذين يحتاجون استمرار السوق فارغة من الإنتاج المحلي، لضمان دوران الاستيراد ودوام أرباحهم.

الأخطر، وفق مراقبين، أن نسبة من المزارعين غادرت فعلاً الزراعة واتجهت إلى المدن بحثاً عن عمل يومي.

وفي بعض محافظات الجنوب، خصوصاً واسط وذي قار وميسان، انخفضت المساحات المزروعة بالبصل والحنطة والخضروات بنسبة تصل إلى 40% خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

وت تقارير محلية إلى أن آلاف الدونمات تُركت بلا زراعة، ليس بسبب شح المياه فقط، بل بسبب غياب الحماية الحكومية للمنتج المحلي، وسيطرة جماعات اقتصادية تسيّر السوق وفق مصالحها، الأمر الذي يهدد بدفع ما لا يقل عن 250 ألف مزارع نحو البطالة.

الخبراء يحددون ثلاث أدوات أساسية لما يسمى اقتصاد الظل الموازي للدولة:

وشدد على أن المعابر السوداء “باتت تمثل خطراً على الأمن الغذائي، وعلى استقرار الأرياف، وعلى مبدأ التوازن المناطقي”.

وشهد العراق خلال 2019–2023 محاولات لرفع إنتاج بعض المحاصيل إلى مستويات الاكتفاء الذاتي، لكن هذه الإنجازات لم تصمد أمام موجة الاستيراد غير المنضبط التي عادت بقوة بعد 2024.

كما سجّلت وزارة الزراعة انخفاضاً كبيراً في عدد المزارعين الفاعلين، وتحوّلت مساحات واسعة من الأراضي إلى مشاريع تجارية وسكنية، ما عمّق الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج.

في النهاية، تبدو أزمة الزراعة في العراق أقل ارتباطاً بالمناخ أو المياه، وأكثر ارتباطاً بمن يدير السوق ومن يتحكم بالحدود.
فالمعابر السوداء، وحرب الأسعار، والتدخلات الخفية في حركة الاستيراد، تُعيد رسم المشهد الزراعي بطريقة لا تمنح المنتج المحلي أي فرصة عادلة.

وما دام اقتصاد الظل أقوى من أدوات الدولة، سيبقى المزارع الطرف الأضعف في معادلة لا تصنع نمواً ولا تحقق استقراراً.

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.