في أحدث موجة من الضغوط الداخلية والخارجية على الفصائل المسلحة في العراق، بدا المشهد الأمني والسياسي أمام إعادة تشكيل غير مسبوقة، إذ تزامن ارتفاع حدة المطالبات الدولية بتفكيك السلاح خارج إطار الدولة مع بروز مواقف داخلية تتراوح بين الرفض القاطع لأي خطوة من هذا النوع، وبين أصوات خافتة داخل بعض الفصائل نفسها تميل في سرّها إلى فكرة الاندماج التدريجي ضمن مؤسسات الدولة، لكنها تخشى الإفصاح جهاراً عن هذا الميل خشية الاصطدام مع الخط العام الذي ما يزال يعدّ السلاح جزءاً من هوية المرحلة وشرعية القوة التي تأسست بعد هزيمة تنظيم داعش.
وفي وسط هذه الضغوط، خرج القائد السابق لفصيل "أبو الفضل العباس" أوس الخفاجي ليقدّم تحذيراً واضحاً وغير معتاد حين قال إن على الفصائل في العراق أن تنزع سلاحها طواعية قبل أن تُجبر على ذلك، وهي رسالة اكتسبت ثقلاً مضاعفاً لأنها جاءت من رجل كان جزءاً من البنية المسلحة وليس من دائرة الخصوم.
وفي الوقت نفسه، كانت واشنطن تمارس خطاباً أكثر صراحة من أي وقت مضى، إذ أكد نائب وزير الخارجية الأمريكي أن التفكيك الكامل للفصائل المدعومة من إيران بات ضرورة لحماية العراقيين والأمريكيين وضمان عدم استمرار ما وصفه بنهب موارد الدولة
ورغم أن الضغط الأمريكي يتصدر المشهد، إلا أن المرجعية الدينية العليا كانت قد رفعت هذا المطلب قبل الجميع، حين دعت في أكثر من مناسبة إلى إنهاء ازدواجية السلاح ومنع تعدد مراكز القوة التي تجعل الدولة عاجزة عن تحقيق استقرار طويل الأمد.
هذا الموقف الذي جاء من أعلى سلطة معنوية في البلاد مثّل نقطة التحوّل التي سبقت كل النقاشات السياسية.
وفتح ذلك الباب لاحقاً أمام مواقف مشابهة من التيار الصدري الذي دعا زعيمه مقتدى الصدر مراراً إلى إنهاء ظاهرة السلاح غير المنضبط ووضع كل القوى المسلحة تحت إمرة الدولة.
ومع أن الصدر يتقاطع فكرياً مع الفصائل الولائية في بعض الخلفيات العقدية والسياسية، إلا أن موقفه من السلاح خارج الدولة كان ثابتاً، ويستبطن رؤية صدامية مع مشروع الفصائل الولائية التي ترى في نفسها قوة ضامنة للمجتمع الشيعي قبل الدولة.
وبينما تتقاطع هذه المواقف من المرجعية والصدريين مع مطالب القوى المدنية التي رفعتها منذ احتجاجات تشرين، والتي ترى أن الدولة لن تستقيم ما لم تُحسم قضية السلاح جذرياً، تبدو هذه القوى أكثر وضوحاً في موقفها حين طالبت صراحة بعدم السماح للفصائل المسلحة بالدخول في أي عملية انتخابية ما دامت تمتلك أجنحة عسكرية، وذهبت أبعد من ذلك حين رفعت دعاوى أمام المحكمة الاتحادية للطعن بشرعية تلك الفصائل في الانتخابات بدعوى الإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص، وهي دعاوى ما تزال المحكمة تحتفظ بها دون حسم حتى الآن، الأمر الذي يعكس حجم التعقيد القانوني والسياسي الذي يحيط بهذا الملف المتشابك.
وفي مقابل هذه الضغوط المتقاطعة، تقف الفصائل المسلحة في موقع معقد، فهي ترفض بشكل علني وحاسم فكرة التخلي عن سلاحها تحت أي ظرف، وتعدّ ذلك استهدافاً مباشراً لدورها الذي نشأ في مرحلة الانهيار الأمني وصعود داعش، وترى أن السلاح ضرورة لحماية “المكتسبات” ولردع أي تهديد داخلي أو خارجي.
لكن خلف هذا الرفض الصلب توجد دوائر داخلية أصغر تميل إلى أن الزمن تغيّر، وأن البقاء على صيغة ما بعد 2014 أصبح رهناً بمتغيرات إقليمية ودولية لا يمكن التحكم بها، غير أن هذه الأصوات لا تزال محاصرة بهواجس الخروج عن الخط العام، وبالخوف من فقدان الغطاء السياسي والرمزي الذي تستند إليه الفصائل.
وبذلك يصبح المشهد العراقي أمام مفترق طرق جديد، فالتقاطع بين ضغط واشنطن، وموقف المرجعية، ورؤية الصدر، ومطالب المجتمع المدني، وتحذيرات شخصيات عسكرية سابقة مثل الخفاجي، يعكس شعوراً عاماً بأن النظام الأمني والسياسي الذي استقر بعد 2014 لم يعد قادراً على الاستمرار بالصيغة ذاتها، وأن العراق يقف أمام لحظة إعادة تعريف عميقة للعلاقة بين الدولة والسلاح، وبين الشرعية والقوة، وبين الداخل والخارج.
وما إذا كانت هذه اللحظة ستقود إلى استقرار جديد أم إلى جولة أصعب من التوتر، فذلك يتوقف على قدرة العراقيين أنفسهم على إنتاج معادلة وطنية لا تستنسخ ضغوط الخارج ولا تستسلم لثقل السلاح الموازي.
تقرير: محرر الشؤون السياسية والأمنية في بغداد اليوم


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.