أخبار وتقارير

إعادة هندسة الحكم

إعادة هندسة الحكم

شارك المقال

يتقدم العراق نحو انتخابات تشرين الثاني وسط مشهد سياسي مكتظّ بالتفاهمات الخفية أكثر مما تحكمه صناديق الاقتراع.
فبين الأحاديث عن تغيير وجوه السلطة وإصلاح النظام السياسي، تتكشّف ملامح مرحلة جديدة لا تقوم على الصراع العسكري ولا الاحتلال المباشر، بل على هندسة الدولة من الداخل عبر أدوات المال والتسويات، في مشهد يُعيد تعريف مفهوم السيادة في بلدٍ لم يستقر منذ عقدين.

تُظهر تسريبات متقاطعة أن سبعة إلى ثمانية مناصب سيادية أساسية أُدرجت ضمن ما يسمى "الخط الأحمر السياسي"، بحيث لا يُسمح بالاقتراب منها إلا بتفاهم عراقي – أمريكي مسبق، يشمل الرئاسات الثلاث ومواقع أمنية عليا وهيئات رقابية حساسة.
ويُقال إن هذا التفاهم يهدف إلى "تحييد الدولة عن الفوضى"، لكنه في جوهره يمثل تكريساً لمرحلة وصاية ناعمة تتقاطع فيها مصالح الداخل والخارج.
وفي خلفية هذه التفاهمات، تتنامى إشارات عن مشروع أمريكي لإدارة التحولات

وفي خضم هذه التحولات، عادت إيران إلى الساحة بقوة عبر قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، الذي وصل بغداد قبل أيام وأجرى سلسلة اجتماعات مكثفة مع قادة أحزاب وفصائل نافذة، في محاولة لضبط الإيقاع السياسي داخل البيت الشيعي ومنع واشنطن من الانفراد بالقرار العراقي.
الزيارة جاءت في وقت تتكثف فيه المؤشرات على أن واشنطن تمسك بخيوط الاقتصاد، فيما تحاول طهران الحفاظ على نفوذها العقائدي والسياسي، لتتحول البلاد إلى مسرح مزدوج للتحكم الناعم، حيث المال يوازن السلاح، والتسوية توازي النفوذ.

في المقابل، جاء تعيين رجل الأعمال الأمريكي من أصول عراقية مارك سافايا مبعوثاً خاصاً إلى بغداد ليضيف بعداً تنفيذياً لهذه المعادلة.
فالمبعوث الذي يوصف في الصحافة الأمريكية بأنه “ملك القنّب في ديترويت”، وصل بمهمة تتجاوز الدبلوماسية التقليدية

تزامن وصول المبعوث مع مكالمة حادة بين وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني، تضمنت مطالبة واضحة بنزع سلاح الفصائل “التي تهدد حياة الأمريكيين والعراقيين وتقوّض سيادة الدولة”.
التزامن بين التصعيد الدبلوماسي والتحرك الميداني فُهم في بغداد على أنه بداية مرحلة ضغط أمريكي متعددة المسارات، تعتمد على سياسة "الضغط المزدوج": مكالمة ترسم الاتجاه، ومبعوث يتولى التنفيذ الميداني، في تكرار لأسلوب واشنطن في إدارة ملفات النفوذ دون اللجوء إلى القوة.

وأضاف العرداوي أن "الصراع بين القوى المحلية وغياب الإجماع على مشروع وطني موحد جعلا من القوى الخارجية عاملاً مرجحاً في كل مرحلة حكومية، بل إن بعض الأطراف

وفي قراءة مقارنة، يستحضر مراقبون تجربة السعودية عام 2017 حين قاد ولي العهد محمد بن سلمان حملة ضد الفساد انتهت باستعادة أكثر من مئة مليار دولار خلال أشهر.
تلك التجربة، رغم قسوتها، بُنيت على مبدأ المحاسبة الصارمة لا التسوية.
أما في العراق، فقد خسر البلد أكثر من 700 مليار دولار منذ 2003 بسبب الفساد، دون أن يُسترد سوى جزء ضئيل، في وقتٍ تتحول فيه بعض الدعوات إلى الإصلاح إلى منصّات تفاوض مالي بين الفاسدين والدولة.

الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي يؤكد أن “الفساد في العراق لم يعد فعلاً إدارياً بل أصبح بنية تنتج السياسة وتتحكم بالاقتصاد”، فيما يرى المختص في شؤون مكافحة الفساد سعيد ياسين موسى أن “منظومة العدالة أصبحت جزءاً من اللعبة، إذ يشرف المتورطون أنفسهم على لجان المكافحة”.
هذه المفارقة البنيوية جعلت الحديث عن الإصلاح يبدو أقرب إلى إعادة توزيع لمراكز القوة أكثر منه إلى عملية بناء دولة.

تُجمع قراءات متعددة على أن الولايات المتحدة تسعى لتقليص حضورها العسكري مقابل تعزيز سيطرتها المالية على الداخل العراقي، مستخدمةً أدوات القرن الحادي والعشرين: الرقابة، التمويل، والعقوبات الذكية.
فالاقتصاد العراقي، كما يصفه الخبير الأمني محمد علي الحكيم، أصبح "الساحة الجديدة للصراع"، حيث تتحول البنوك إلى أدوات نفوذ، والتحويلات إلى رسائل سياسية، وسعر الدولار إلى أداة عقاب أو مكافأة.
هذه التحولات لا ت إلى انسحاب أمريكي من العراق، بل إلى تحوّل نوعي من الاحتلال الصلب إلى الوصاية الناعمة.

في المحصلة، لا يبدو أن العراق مقبل على تغيير جذري في الوجوه أو السياسات، بقدر ما يواجه إعادة ترتيب دقيقة لمراكز القوة تحت إشراف خارجي مزدوج.
واشنطن تُعيد ضبط مفاتيح الدولة عبر المال، وطهران تُحافظ على توازنها عبر الولاءات، فيما يبقى الداخل العراقي ساحة مفتوحة لتجريب كل أشكال النفوذ الممكنة.
وبين تسوية الفاسدين وتحييد المناصب وتدوير النخب، يُعاد تعريف السيادة في العراق لا بوصفها استقلالاً، بل قدرة على البقاء ضمن ميزان الآخرين دون السقوط الكامل في أحد كفّتيه.

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.