أخبار وتقارير

إعادة تدوير "اللاعبين"

إعادة تدوير "اللاعبين"

شارك المقال

هذا التوصيف يضع العراق في قلب معادلة معقّدة: بين ضغوط عسكرية محتملة على إيران، وضغوط سياسية ناعمة لإنتاج توازنات إقليمية جديدة، وبينهما سعي أمريكي لاختيار شركاء محليين وإقليميين قادرين على تمرير هذه الرؤية بأقل قدر ممكن من الكلفة والاصطدام.

هذه الرؤية – كما يصفها – لا تُختزل في ضربة عسكرية أو عقوبات اقتصادية، بل في مسار متكامل يقوم على:

-ضبط إيقاع الصراع مع إيران بحيث لا يتحوّل إلى حرب شاملة، لكن من دون ترك طهران حرة اليد في استخدام أذرعها في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

-إدارة الملف السوري بما يضمن عدم تحوّل الفراغ الأمني والسياسي إلى تهديد مباشر لحلفاء واشنطن، وفي مقدمتهم العراق، خصوصًا في ما يتعلّق بملف السجون والمعتقلين والحدود.

-إعادة توزيع الأدوار بين القوى الإقليمية (تركيا، دول الخليج، إيران، وإسرائيل) ضمن سقف يمنع انفلات التوتر إلى مستوى يهدّد المصالح الأمريكية الأوسع في الطاقة والممرات التجارية والأمن الدولي.

البدران يلفت إلى أنّ هذا المسار قد "يتعارض مع وصول شخصيات بعينها إلى إدارة الدولة"، في إشارة إلى أنّ واشنطن لا تنظر إلى كلّ الراغبين في الحكم في بغداد أو العواصم المجاورة بمعايير واحدة؛ فهناك شخصيات وتجارب سابقة "قد تُضعف القدرة على لعب دور مؤثر في عملية إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية وإعادة هندسة المسار السياسي في المنطقة"، وهو ما يجعل – برأيه – "الخيارات المطروحة معقّدة وصعبة".

تسريبات "وول ستريت جورنال" عن أنّ ترمب طلب من فريقه الأمني والعسكري خيارات لـ"هجوم سريع وحاسم" على إيران، بشروط تمنع انزلاق المنطقة إلى حرب طويلة، تُمثّل وجهًا من أوجه هذا الضغط، لكنها ليست الوجه الوحيد.

وفق مقاربة البدران، ما "تلوّح به واشنطن" يدخل في خانة ضغط سياسي – استراتيجي هدفه في الجوهر "خلق توازنات جديدة في المنطقة"، وليس مجرد استعراض قوة عسكرية.
هنا، يمكن قراءة الضغوط في ثلاثة مستويات مترابطة:

-المستوى العسكري – الأمني: عبر التلويح بخيارات ضربات محدودة على أهداف إيرانية حسّاسة، أو على أذرعها في دول الإقليم، لإعادة رسم الخطوط الحمر وإيصال رسالة بأنّ استخدام الساحة

-المستوى السياسي – الإقليمي: من خلال دفع حلفاء واشنطن الإقليميين، ومعهم أطراف عراقية فاعلة، إلى الاصطفاف ضمن "إطار واحد" تحكمه – كما يقول البدران – اعتبارات "التوازن والاستقرار"، بحيث يصبح أي مشروع سياسي داخلي متصادم مع هذه الرؤية عرضة لضغوط مباشرة أو غير مباشرة.

-المستوى الاقتصادي – الاستراتيجي: باستخدام أدوات العقوبات، والقيود المالية، وإشارات الأسواق، لتطويع خيارات الحكومات والفاعلين السياسيين، وربط مسارات الدعم والاستثمار بإمكانية التكيّف مع الخريطة الجديدة التي تعمل واشنطن على رسمها في المنطقة.

بهذا المعنى، تبدو الضربة العسكرية – إن وقعت – جزءًا من "حزمة أدوات"، لا خيارًا منفصلًا بذاته؛ وسواء استُخدمت أم بقيت في خانة التلويح والردع، فإنّ الهدف النهائي، كما يقدّمه خطاب واشنطن، يبقى "إعادة إنتاج توازن يخدم الاستقرار الإقليمي".

يؤكد البدران أنّ "العراق مطالب بإدراك أنّ مسار المنطقة يتجه نحو إطار واحد تحكمه اعتبارات التوازن والاستقرار"، مًا إلى أنّ "الرعاية الأمريكية لهذا التوجّه لا تقتصر على تحقيق المصالح الأمريكية فحسب، بل تمتد إلى بناء توازن إقليمي يخدم مصالح المنطقة ككل".

لكن ترجمة هذا الكلام على الأرض تضع بغداد أمام أسئلة صعبة:

-كيف يمكن للعراق أن يكون "طرفًا فاعلًا وإيجابيًا" ضمن الرؤية الأمريكية من دون أن يتحوّل إلى مجرّد أداة تنفيذ أو ساحة تصفية حسابات بين واشنطن وطهران؟

-ما حدود قدرة الطبقة السياسية الحالية، بتجاربها وتحالفاتها مع قوى إقليمية متناقضة، على التكيّف مع خريطة توازنات جديدة تريدها الولايات المتحدة، وتقبل بها – بدرجات متفاوتة – عواصم إقليمية أخرى؟

-إلى أي مدى يمكن لانتقال الملفات الحسّاسة، مثل ملف السجناء وملف الحدود مع سوريا، من إدارة التحالف الدولي إلى إدارة عراقية – إقليمية مباشرة، أن يزيد من هامش المسؤولية على بغداد، وفي الوقت نفسه من هامش الضغوط عليها؟

جوهر ما يطرحه البدران هو أنّ العراق لم يعد يستطيع التصرّف وكأنّه خارج معادلة إعادة هندسة الإقليم؛ فواشنطن، كما طهران وأنقرة وعواصم أخرى، بدأت تنظر إلى بغداد بوصفها أحد مفاتيح تثبيت أو هزّ التوازن المقبل، لا مجرّد دولة متلقية لنتائج الصراع.

يختم رمضان البدران تصريحه بالتأكيد على أنّ "ما تلوّح به واشنطن يندرج ضمن ضغط سياسي يهدف في جوهره إلى خلق توازنات جديدة في المنطقة"، مضيفًا أنّ هذا الضغط "ينتهي في النهاية لصالح الاستقرار الإقليمي"، بما يستدعي – من وجهة نظره – أن "تتكيّف مختلف الأطراف مع هذا الحراك السياسي المتسارع".

لكنّ هذا الاستنتاج، وإن كان يعكس قراءة متفائلة نسبيًا بدور الضغط الأمريكي في منع انفجار شامل، يبقى معلّقًا على عدّة شروط أساسية، من بينها:

-ألّا تتحوّل الضربات المحدودة – إن حصلت – إلى سلسلة تصعيد متبادل يخرج عن السيطرة.

-ألّا يُستخدم شعار "الاستقرار الإقليمي" غطاءً لتهميش إرادة الشعوب أو إعادة إنتاج نخب فاشلة في إدارة دولها.

-أن ينجح العراق في الانتقال من موقع "الساحة" إلى موقع "الشريك" في صياغة أي توازن جديد، بما يحفظ سيادته ويمنع تحويله إلى مجرد محور في لعبة إقليمية – دولية أكبر منه.

في المحصّلة، يقدّم تصريح البدران زاوية مختلفة لقراءة ما يُنقل عن طلب ترمب خيارات لضرب إيران: ليس مجرّد ملف عسكري مغلق بقرار واحد، بل جزء من لوحة أوسع تعيد فيها واشنطن ترتيب أدواتها وتحالفاتها في المنطقة.
وبينما تتسارع هذه التحوّلات، يبدو أنّ العراق أمام اختبار جديد: إمّا أن يلتقط لحظة إعادة رسم التوازن ليعوّض خسائر سنوات الفوضى، أو يجد نفسه مرّة أخرى في قلب العاصفة، يدفع كلفة توازنات صاغها الآخرون باسمه ولحسابه، من دون أن يكون شريكًا حقيقيًا فيها.

شارك المقال

التعليقات

شاركنا رأيك في هذا الخبر

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.