يقف الاقتصاد العراقي اليوم أمام مفترق يصفه خبراء الاقتصاد بأنه "خياران أحلاهما مر": إمّا الاستمرار في وصفة تقشفية على الطريقة التقليدية لصندوق النقد الدولي، تتحمل كلفتها الفئات الفقيرة وذوو الدخل الثابت، وأمّا التوجّه نحو إصلاح هيكلي عميق يمس امتيازات الأحزاب واتها الاقتصادية، ويتطلب إرادة سياسية غير مألوفة في بنية نظام ما بعد 2003.
هذا النقاش لا يجري في فراغ؛ فالإيرادات النفطية ما زالت تمثّل في السنوات الأخيرة أكثر من 85–90% من إيرادات الدولة، بحسب بيانات وزارة المالية وتقارير دولية، ما يجعل الموازنة شديدة الهشاشة أمام أي هزّة في أسعار النفط أو كميات التصدير.
في حديثه لـ"بغداد اليوم"، يختصر الخبير في الشؤون الاقتصادية ناصر التميمي المشهد بالقول إن "العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق اقتصادي صعب، يتمثّل في وجود برنامجين للإصلاح، كلاهما يحمل كلفة عالية، غير أن انعكاساتهما تختلف على الفئات الاجتماعية والسياسية في البلاد".
الخيار الأول – كما يوضح – هو المسار المتماشي مع توجّهات صندوق النقد الدولي، والمتجسّد في ما عُرف بـ"الورقة البيضاء"، عبر إجراءات تقشفية تشمل تخفيض قيمة الدينار، وضغط النفقات الحكومية، وتقليل الرواتب، وإلغاء أو تقليص الدعم الحكومي، ولا سيما دعم الوقود والبطاقة التموينية، وهي خطوات تقع كلفتها بشكل مباشر على الفئات الفقيرة وذوي الدخل الثابت.
أمّا الخيار الثاني، فيتمثّل في إصلاحات هيكلية عميقة تمس البنية السياسية والاقتصادية، وتستهدف الحد من الامتيازات والمكاسب الاقتصادية الواسعة التي تتمتع بها الأحزاب السياسية ومحيطها، وهو برنامج "ضروري لإنقاذ الاقتصاد من التشوّهات المتراكمة"، لكنه يحتاج – كما يصف التميمي – إلى "إرادة حكومية قوية، وتوافق سياسي، وضغط شعبي مستمر" بسبب اصطدامه بمصالح نافذة في المشهد السياسي والاقتصادي.
وُلدت "الورقة البيضاء" في خريف 2020 تحت ضغط مزدوج: انهيار أسعار النفط بفعل جائحة كورونا، وتراجع العوائد الحكومية بشكل حاد، في وقت كانت فيه النفقات الجارية، ولا سيما فاتورة الأجور والتقاعد، تلتهم الجزء الأكبر من الموازنة.
تقديرات دولية أشارت يومها إلى أن الإيرادات الحكومية تراجعت بنحو يقارب نصف مستواها مقارنة بسنوات الطفرة، مع ارتفاع خطر العجز إلى مستويات قد تتجاوز 20–25% من الناتج المحلي الإجمالي لو لم تُتَّخَذ إجراءات تصحيحية.
أمام هذه الأزمة، اختارت الحكومة في كانون الأول 2020 تخفيض قيمة الدينار من مستوى يناهز 1200 دينار إلى 1450 دينارا للدولار، أي بما يقرب من خمس قيمته، وهي خطوة زادت فورا من الإيرادات النفطية المحسوبة بالدينار وساعدت على سد فجوة التمويل في المدى القصير، لكنها في المقابل رفعت أسعار السلع المستوردة في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد للغذاء والدواء والمواد الأولية.
تقارير للبنك الدولي ومنظمات أممية قدّرت أن الصدمة المزدوجة – كورونا وتخفيض قيمة الدينار – دفعت نحو 4.5 ملايين عراقي إضافي تحت خط الفقر، لترتفع نسبة الفقر من حوالى 20% في 2018 إلى أكثر من 30% في ذروة الأزمة، قبل أن تتراجع تدريجيا خلال العامين الماضيين إلى حدود 17–18% بحسب تقديرات محدّثة.
هذه الصدمة لم تضرب "الهامش" فقط، بل مست مباشرة شرائح الموظفين والمتقاعدين وذوي الدخل الثابت، الذين وجدوا أنفسهم أمام ارتفاع حاد في الأسعار مقابل رواتب لم تُعدَّل بالسرعة نفسها.
ومن زاوية الاقتصاد السياسي، بدت الوصفة التقشفية وكأنها تُطبَّق من الأسفل إلى الأعلى: تحميل الفئات الأضعف كلفة التصحيح من خلال التضخم، بدل أن يبدأ الإصلاح من أعلى هرم الامتيازات السياسية والاقتصادية.
حتى بعد تحسّن أسعار النفط، ظلّت بنية الإنفاق العام تعكس اعتمادا عاليا على الأجور والتحويلات.
بيانات حديثة لصندوق النقد الدولي ت إلى أن إجمالي الإنفاق الحكومي في العراق يدور حول 44–48% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن فاتورة الأجور والتقاعد وحدها تقترب من 20% من الناتج، وهو مستوى مرتفع مقارنة بكثير من الاقتصادات الناشئة.
في موازنة 2023، التي بلغ حجمها حوالى 199 تريليون دينار، تجاوز العجز المخطط 60 تريليون دينار، مع اعتماد شبه كامل على الإيرادات النفطية لتغطيته.
وفي موازنة 2024 ارتفع الإنفاق إلى نحو 211 تريليون دينار، بينما بلغت كتلة الرواتب والتقاعد قرابة 90 تريليون دينار، أي أكثر من 40% من إجمالي الإنفاق، بحسب تصريحات رسمية لمستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.
في الوقت نفسه، تُبيِّن بيانات مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية وغيرها أن النفط ما زال يؤمّن نحو 90–93% من الإيرادات العامة للدولة، ما يعني أن الاستقرار المالي مرتبط عمليا بسعر برميل النفط وحجم التصدير.
تقديرات دولية حديثة ت إلى أن السعر المطلوب لمعادلة الموازنة العراقية تجاوز في السنوات الأخيرة مستوى 80 دولارا للبرميل، م


التعليقات
شاركنا رأيك في هذا الخبر
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أول من يعلّق.